فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 121

وكذلك حين قال تعالى لأم موسى: [إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ] [1] ، فلو لم يصل وجاعلوه من المرسلين لم تعقل أم موسى ما خاطبها به، ولا ما عنى بقوله، إذ كان خلْق موسى قد تقدّم رده إليها، فلمَّا وصل الكلمة بالمرسلين عقلت أم موسى ما أراد بخطابها، وكذلك قوله تعالى: [فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا] [2] ، وقد كان الجبل قبل أنْ يتجلّى له مخلوقا، فوصل الجعل بدكا، ولو لم يصله لم يعقل السامع ما أراد الله تعالى بقوله، وكذلك قوله تعالى: [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ] [3] ، وقد كانا قبل دعوتهما مخلوقين، فوصل [وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ] ، ولو لم يصل الكلمة، وفصلها فقال: [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا] ، لم يعقل أحد ممن سمع ذلك ما أراد بدعواهما، فلما وصلها بمسلمين، علم كل مَن سمع ذلك ما أراد بدعوتهما، وكذلك قول إبراهيم: [رَبِّ / اجْعَلْ 20 ب هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا] [4] ، فوصله بآمنا، ولو لم يصله بآمنا ما عقله أحد ممن سمع ذلك ما عنى بدعوته، إذ كان بلد مكة مخلوقا قبل ذلك، فلما وصل آمنا، عقل السامع لذلك ما أراد إبراهيم بدعوته، ومثل هذا في القرآن كثير جدا يا أمير المؤمنين، والذي تتعارفه العرب، وتتعامل به في لغاتها وخطابها، ومعنى كلامها، ومخارج ألفاظها، وهو الذي جرت به سنة الله تعالى في كتابه، إذ كان إنما نزل بلسانها، واكتتب على تبيانها، فخاطبهم الله بما عقلوه وعرفوه، ولم ينكروه، ولم يكونوا يعرفون سواه، وهو القول الموصل والمفصل، فأرجع أنا وبشر يا أمير المؤمنين فيما اختلفنا فيه من قول الله تعالى: [إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا] [5] إلى سنة الله تعالى في كتابه في الجَعْلَيْن جميعا، وإلى سنة العرب أيضا، وما تتعارفه، وتتعامل به، فإذا كان من القول الموصل فهو كما قلت أنا [إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا] بأنه صيره عربيا، [أي] [6] أنزله بلغة العرب، ولسانها، ولم يصيّره عجميا؛ فينزله بلغة العجم، وإنْ كان من القول المفصل فهو كما قال بشر، ولن يجد ذلك أبدا، وإنما دخل الجهل على

(1) القصص 7

(2) الأعراف 143

(3) البقرة 128

(4) إبراهم 35

(5) الزخرف 3

(6) زيادة من المطبوع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت