فهرس الكتاب
بشر، ومَن قال بقوله يا أمير المؤمنين؛ لأنهم ليسوا من العرب، ولا علم لهم بلغة العرب، ومعاني كلامها، فتناولوا القرآن على لغة العجم، التي لا تفقه ما تقول، وإنما تتكلم العجم بالشيء كما يجري على ألسنتها، وكل كلامهم ينقض بعضه بعضا، لا يفهمون ذلك من أنفسهم، ولا يتفقده عليهم غيرهم؛ لكثرته، وسمعت يا أمير المؤمنين الأصمعي عبد الملك بن قريب [1] ، و [قد] [2] سأله رجل، فقال: أتدغم الفاء في الياء؟ فتبسم الأصمعي، وقبض على يدي، وكان صديقي، فقال لي: أما تسمع؟ ثم أقبل على السائل، وهو متعجب من مسألته وقوله، فقال: أتُدغم الفاء في الياء في لغة إخواننا بني الأبناء [بني ساسان] [3] ، يقولون: كي أصبحت، فيدغمون الفاء في الياء، فأما العرب فلا تعرف هذا.
قال عبد العزيز: فاشتد تبسم المأمون من قول الأصمعي، ووضع يده على فيه، فقلت: وهذا الذي يأتينا به بشر يا أمير المةمنين من لغة أصحابنا بني الأبناء، فقال بشر: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، يذمنا ويُكفِّرنا، ويقول إنّا نُحرِّف القرآن عن موضعه، وهو قد وضع قدر القرآن وشأنه، وسماه بأنقص اسم، ووصفه بأخس صفة وأقلها، وهو خالف بقوله كتاب الله، وحرّفه عن مواضعه؛ لأن الله تعالى سماه كتابا عزيزا، وسماه كريما، وأخبر عنه أنه تام كامل، بقوله تعالى: [مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ] [4] ، وسماه عبد العزيز موصلًا ومفصلا، فخالف كتاب الله تعالى وصفته، وذم ما مدح الله تعالى؛ لأنه الموصل / عند العرب والعجم، وسائر الخلق، دون التام 21 أ الصحيح الكامل، إذ كان الموصل عندهم جميعا هو الملفّق، الذي قد وصل بعضه ببعضا، ولُفِّق
(1) الأصمعي: 122 - 216 هـ / 740 - 831 م
عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي. راوية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان. نسبته إلى جده أصمع. ومولده ووفاته في البصرة. كان كثير التطواف في البوادي، يقتبس علومها ويتلقى أخبارها، ويتحف بها الخلفاء، فيكافأ عليها بالعطايا الوافرة. أخباره كثيرة جدًا. وكان الرشيد يسميه (شيطان الشعر) . قال الأخفش: ما رأينا أحدًا أعلم بالشعر من الأصمعي. وقال أبو الطيب اللغوي: كان أتقن القوم للغة، وأعلمهم بالشعر، وأحضرهم حفظًا. وكان الأصمعي يقول: أحفظ عشرة آلاف أرجوزة.
وللمستشرق الألماني وليم أهلورد Vilhelm Ahiwardt كتاب سماه (الأصمعيات-ط) جمع فيه بعض القصائد التي تفرد الأصمعي بروايتها. تصانيفه كثيرة، منها (الإبل-ط) ، و (الأضداد-ط) ، و (خلق الإنسان-ط) ، و (المترادف-خ) ، و (الفرق-ط) أي الفرق بين أسماء الأعضاء من الإنسان والحيوان. الموسوعة الشعرية.
(2) زيادة من المطبوعة.
(3) زيادة من المطبوعة.
(4) الأنعام 38