فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 121

أعلم خلق الله تعالى بلغة العرب، وكلامها وما تتعارفه، وما تتعامل به في خطابها، وأنت الحاكم بيننا، فإنْ أكن تزيّدت على العرب منذ اليوم في شيء حكيته عن العرب، أو نسبته إليهم، أو عدلت عن سننهم ومذهبهم في شيء من كلامهم وخطابهم، ومخارج ألفاظهم، فقد استحققت العقوبة من جهتين: إحداهما جُرأتي على أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، وقولي بين يديه، وحكايتي عن قومه ما يعلم خلافه مع علمي أنه أعلم خلق الله تعالى بذلك، الأخرى تكذيبي على سائر العرب، وادِّعائي الباطل عليهم، وأمير المؤمنين يشهد على تكذيبي، وتزييدي، وهو أعلم خلق الله تعالى باللغة، وهو في حلٍّ وسعة من دمي، ومن كل ما يعاقبني به، إنْ كان قد وقف على ذلك مني، وإنْ يكن بشر قد تزيَّد في القول يا أمير المؤمنين، وادَّعى عليّ الباطل، كان أمير المؤمنين أعلى عينًا بالردِّ عليه، ومنعه من قول الزور والكذب، فقال المأمون: ما قلت يا عبد العزيز منذ اليوم إلاّ ما تقوله العرب، وما تتعارفه، وما تتعامل به، وما خرجت عن مذهبها، ولو عدلت عن ذلك ما سوغتك الكذب عليها.

قال عبد العزيز: فقلت الله أكبر، الله أكبر، ظهر والله كذب بشر، بشهادة أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، لي عليه، أفلحت ورب الكعبة، وظهر أمر الله وهم كارهون، فقال بشر: وعلى الخلق أنْ يتعلموا / لغات العرب، وما 22 أ تعبدنا الله عز وجل بهذا، كل إنسان يقول بلغته، وعلى قدر معرفته، وما كلف الخلق فوق طاقتهم، ولا طالب أولاد العجم بلغات العرب.

قال عبد العزيز: فقلت لبشر: كلّف الله الخلق أن يتكلموا بما لا يعلمون، ادَّعيت العلم، وتكلمت في القرآن، وتأولت كتاب الله تعالى على غير ما عناه الله، ودعوت الخلق إلى اتّباعك، وكفّرت مَن خالفك، وأبحت دمه، والله تعالى قد نهى الخلق جميعا، فلم يحاش نبيا مرسلا، ولا صدِّيقا، ولا عبدا مؤمنا أن يقولوا ما لا يعلمون، ويتكلفوا ما لا يعلمون، فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: [وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا] [1] ، وقال تعالى لنوح عليه السلام: [فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ

(1) الإسراء 36

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت