فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 121

زَهُوقًا] [1] ، قال بشر: يا أمير المؤمنين إنما يتكلم ويخطب؛ ليُنسي خصمه حجته، ويشغله بغيرها، ولولا بسط أمير المؤمنين له لم يقدر أن يُدير لسانه في فيه، وكانت الحجة عليه ظاهرة.

قال عبد العزيز: ثم أقبل بشر عليّ، ثم قال: لو خطبت إلى غد ما تركت مطالبتك بما قلت، فدع عنك الهذيان، وأقبل عليّ، فقلت له: يا بشر، بعد نداء القرآن تهدم كل ما أسست، وصاخه في سمعه، وتكذِّب ما زخرفت، وتشير إلى الكلام، فإن كنت لا تستحي من أمير المؤمنين، وقد وقعت من ذلك على ما قلته، فلا تستحي من الله تعالى، وقد أبطل كفرك بكتابه وبكلامه، أورد يا بشر ما شئت، فعليّ الإصدار، وتكلم بما شئت، فإني مجيبك، فقال بشر: تعبّد الله الخلق أنْ يعرفوا الموصل والمفصل، وما يضر الخلق أنْ لا يعرفوا ذلك، ولا يتعلموه، فقال له المأمون: قد رجعنا إلى الكلام الأول، فقال بشر: دهشني يا أمير المؤمنين بكلامه وخطبه عن تمام الكلام مفندا، وهو يتوهم أنه قد كسر قولي بهذا الموصل والمفصل، الذي لا يحتاج إلى معرفته، ولا يطالب أحدٌ به.

قال عبد العزيز: فقلت لبشر، بل قد تعبّد الله الخلق بأن / يعرفوا ذلك 23 أ لئلا يصلوا ما فصل الله تعالى، أو يفصلوا ما وصل الله تعالى، قال بشر: وما الحجة في ذلك، والدليل على صدق قولك، فقلت له: أما سمعت ما قرأته عليك من كتاب الله عليك من الآيات المحكمات فيمن وصل ما أمر الله به أن يوصل، ومَن قطع ما أمر الله به أن يُقطع، وما وعد الله تعالى هؤلاء من حُسن الثواب، وعقبى الدار، وما توعد به هؤلاء من اللعنة والعذاب، وسوء الدار، فقال بشر: دع ذكر ما مضى، فما لك فيه حجة، واحتجّ الساعة بشيء أفهمه.

قال عبد العزيز: فقلت له: صدقت، إنك ما فهمت ما مضى، ولو فهمت ما قلت؛ لأقنعك بعضه، ثم أقبلت على المأمون، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ في دون ما قد مضى لكفاية وبلاغ، ولكن بشرا يزعم أنه لم يفهم شيئا مما مضى، وأنا أتكلم في ذكر الموصل والمفصل من القرآن، وأحتج للعرب في صحة لغاتها، ومذاهبها في كلامها وخطابها، فقال المأمون: يا عبد العزيز، إنّ بشرا لا يفهم

(1) الإسراء 81

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت