فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 121

بخلق القرآن، فقد رجع بشر إلى الحيدة عن الجواب، وانقطع الكلام، فإن كان بشر يريد أنْ يناظرني على أن يجيبني عما أسأله عنه، وإلاّ فأمير المؤمنين أعلى عينا فيما يراه في صرفي، فإنما يريد بشر [أنْ] يقع معه مَن لا يفهم فيخدعه عن دينه، ويحتج عليه، فيبيح دمه بذلك، ويقيم الحجة به عليه.

قال عبد العزيز: فأقبل عليه المأمون، فقال: أجب عبد العزيز عمَّا سأل عنه، فقد ترك قوله ومذهبه، وناظرك على مذهبك وما ادّعيت أنّك تُحسنه، وتقيم به الحجة عليه، قال بشر: قد أجبته، ولكنه يتعنّت، فقال له المأمون: يأبى عليك عبد العزيز إلاّ أن تقول واحدةٌ من ثلاث، فقال: هذا أشد من مطالبته بنص التنزيل، وما عندي غير ما أجبته به.

قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: تكلّم أنت في شرح هذه المسألة وبيانها، ودع بشرا، فقد انقطع عن الجواب من كل جهة، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، سألته عن كلام الله تعالى أمخلوق؟ فقال: نعم، فقلت له ما يلزمه في هذا القول، وهي واحدة من ثلاث لا بدّ منها، أن يقول إنّ الله خلق كلامه في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائما بذاته ونفسه، فإن قال إنّ الله خلق كلامه في نفسه، فهذا مُحال، ولا يجد السبيل إلى القول به من قياس، ولا نظر معقول؛ لأنّ الله تعالى لا يكون مكانا للحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء إذا خلقه الله، تعالى الله عن ذلك، وجلّ وتعظم، فإنْ قال خلقه في غيره فيلزمه في النظر والقياس أنّ كل كلام خلقه الله في غيره، فهو كلام الله تعالى، لا يقدر أنْ يفرق بينهما، فيجعل الشعر كلاما لله تعالى، ويجعل قول الزور كلاما لله، ويجعل كلام الفحش والكفر، وكل قول ذمَّه الله تعالى، وذمّ قائله كلام الله تعالى، وهذا محال، لا يجد السبيل إليه، ولا إلى القول به؛ لظهور الشناعة والفضيحة والكفر على قائله تعالى الله عن ذلك، وإنْ قال خلقه قائما بذاته ونفسه، فهذا هو المحال الباطل، الذي لا يجد على القول به سبيلا في قياس ولا نظر، ولا معقول؛ لأنه لا يكون الكلام إلاّ من مُتكلِّم، كما لا تكون الإرادة إلاّ من مريد، ولا العلم إلاّ من عالم، ولا القدرة إلاّ من قادر، ولا رُئي، ولا يُرى كلام قط قائم بنفسه، يتكلم بذاته، وهذا ما لا يُعقَل، ولا يُعرف، ولا يثبت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت