فهرس الكتاب
في نظر ولا قياس، ولا غير ذلك، فلمَّا استحال من هذه الجهات الثلاث أن يكون مخلوقا ثبت أنه صفة الله، وصفات الله تعالى كلها غير مخلوقة، فبطل قول بشر يا أمير المؤمنين من جهة النظر، كما بطل من جهة القرآن والتنزيل / فقال المأمون: أحسنت يا 25 ب عبد العزيز، فقال: سل عن غير هذه المسألة، فلعله يخرج منها بشيء، فقلت: نعم، أنا أدع هذه المسألة، وأسأل عن غيرها، فقال: سل، فقال عبد العزيز: فقلت: ألست تقول إنّ الله كان ولا شيء، وكان ولمَّا يفعل شيئا، ولمَّا يخلق شيئا، قال: بلى، قلت: فأي شيء أحدث الأشياء بعد إذا لم تكن شيئا، أهي أُحدثت بنفسها، أم الله تعالى أحدثها، قال: بل الله تعالى أحدثها، فقلت: فبأيّ شيء أحدثها، قال: أحدثها بقدرته التي لم تزل، قلت له: صدقت، إنه أحدثها بقدرته، أفليس تقول إنه لم يزل قادرا، قال: بلى، فقلت له: أفتقول إنه لم يزل يفعل، قال: لا أقول هذا، قلت له: فلا بدّ أنه يلزمك أنْ تقول إنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة؛ لأنّ القدرة صفة الله تعالى، ولا يقال لصفة الله هي الله، ولا هي غير الله، فقال بشر: ويلزمك أيضا أن تقول إنّ الله تعالى لم يزل يفعل، ويخلق، وإذا قلت ذلك فقد ثبت أنّ المخلوق لم يزل مع الله تعالى، قلت: ليس أنْ تحكم عليّ وتلزمني ما لا يلزمني، وتحكي عني ما لم أقل، إنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل، فيلزمني ما قلت إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق؛ لأنّ الفعل صفة لله، يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع، فقال بشر: أنا أقول إنه أحدث الأشياء بقدرته، فقل أنت ما شئت.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد أقرّ بشر أنّ الله كان ولا شيء، وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئا بقدرته، وقلت أنا إنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته فإنه يخلو يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله تعالى بقول قاله، أو بإرادة أرادها، أو بقدرة قدّرها، فأي ذلك كان فقد ثبت أنه هاهنا إرادة ومريد ومراد، وقول وقائل ومقالة، وقدرة وقادر ومقدور عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق، وما كان قبل متقدم فليس هو من الخلق في شيء.