فهرس الكتاب
يهذي خلفي، ويقرب رأسه من أذني ليسمعني؛ فيدهشني، ويقطعني ذلك عن محجتي، فشكوت ذلك إلى المأمون، فصاح به، وباعده مني، فلما قلت لبشر: ما من شيء كان أو هو كائن، مما يحتاج الناس إلى معرفته وعلمه إلاّ وقد ذكره الله في كتابه عقله مَن عقله، وجهله مَن جهله، فإذا ذلك الرجل يضرب يده على فخذه، ويقول: يا سبحان الله، تزعم أنّ كل ما هو كائن مما يحتاج الناس إليه، قد ذكره الله تعالى في كتابه، ما أعظم هذا، فكيف يعلم ما هو كائن فيذكره.
قال عبد العزيز: فالتفتُّ إليه، فقلت له: أنت جهمي قدري أيضا، وأنت تهذي دائما، ثم أقبلت على المأمون، فقلت يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، إنّ هذا الذي شكوت إليك أذاه منذ اليوم جهمي قدري، قد جمع الأمر من جهتين، يُنكر أنْ يكون الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، قال المأمون: هو قوله يا عبد العزيز، فقلت: وأكسر قوله، وأدحض حجته، وأبطل مذهبه بنص التنزيل الساعة، فقال المأمون: لهذا وقت غير هذا تتكلم معه، ومع غيره في القدر خاصة، فقلت: يا أمير المؤمنين، لست أطوِّل، إنما أحتج عليه بآية واحدة من كتاب الله تعالى، قال المأمون: قل ما تريد يا عبد العزيز، فأقبلت عليه وقلت أتنكر أنّ الله يعلم ما يكون قبل كونه، قال: نعم، أنا أنكر هذا، فقلت: والله يا أمير المؤمنين لقد علم الله ما لم يكن، ولا يكون، أنْ لو كان كيف كان يكون، فصاح الرجل: سبحان الله ما أجرأك على الله، الحمد لله الذي أخذك بلسانك، فقال لي المأمون: أعد هذا الكلام يا عبد العزيز، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، والله لقد علم الله ما لم يكن، ولا يكون أن لو كان، كيف كان يكون، فقال لي المأمون: يا عبد العزيز، هذا شيء تقوله من نفسك، أم شيء تخليه عن غيرك، فقلت: هذا شيء أخبر الله به في غير آية في كتاب الله الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال لي المأمون: وأين ذلك في كتاب الله تعالى، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: [وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ /27 أ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ] [1] في قولهم هذا، فأخبر الله
(1) الأنعام 27، 28