فهرس الكتاب
تعالى عنهم أنهم لو ردّوا لعادوا إلى ما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون في قولهم هذا، وقال تعالى: [وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ] [1] ، فأخبر الله تعالى لو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، وقال تعالى: [وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ] [2] ، وقال تعالى: [وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ] [3] ، فهذا يا أمير المؤمنين ما لم يكن، ولا يكون؛ لأنهم لا يردون لا هم، ولا غيرهم، فأخبر الله تعالى عن علمه السابق فيهم أنْ لو ردُّوا ما كانوا فاعلين، ولن يُردُّوا أبدا، ولا يرحموا أبدا، ولا يسمعهم أبدا، ولا يفتح لهم بابا إلى السماء أبدا، فهذا يا أمير المؤمنين ما لم يكن، ولا يكون، فأخبر الله تعالى أنه لو كان كيف كان يكون، فقال المأمون: أحسنت، أحسنت يا عبد العزيز، ما قلت في يومك هذا شيئا أحسن ولا أدق من هذا، فقلت: قد أكذبتُ والله أهل هذه المقالة، وكسرت قولهم، ودحضت حجتهم، وأبطلت حجتهم بنص التنزيل بلا تأويل، ولا تفسير [4] .
قال عبد العزيز: ثم انصرفت من مجلس أمير المؤمنين في اليوم الذي جرى بيني وبين بشر بن غياث المريسي ما جرى في القرآن، وما أظهر الله تعالى من كسر قوله، ودحض حجته، وبطلان مذهبه، ووقف أمير المؤمنين، وسائر الأولياء، وأهل الفقه والقرآن، وأصحاب الحديث، ومَن بحضرة مدينة السلام من سائر الناس على ذلك، وما أعز الله تعالى به الإسلام وأهله، وأذل الكفر وأهله، وجميع أهل الضلالة والرد والدعاة إلى مخالفة الإسلام، ونقص القرآن، والتشبيه على عباد الله تعالى، فقويت قلوب المؤمنين، وظهر سرورهم، وعلا الحق، وجهر به القوم [5] ، وامتحق الباطل واستخفى به الصوت، وكبت الله تعالى أعداءه.
(1) الأنفال 23
(2) المؤمنون 75
(3) الحجر 14، 15
(4) إلى هنا وتنتي المطبوعة.
(5) كتب: القول.