فهرس الكتاب
قال عبد العزيز: فسار إليّ جماعة من الإخوان والشركاء في الدين، وسألوني أنْ أُملي عليهم ما جرى بيني وبين بشر بن غياث المريسي، ليعلِّموه ويتعارفوه، ويُشيعوه [1] ، ويكتبوا به إلى الأقطار؛ فدفعتهم عن ذلك، وأعلمتهم ما عليّ فيه، وما أتخوفه على نفسي من أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، إنْ بلغه ذلك، وأعلمتهم أنّ عامة مَن بحضرته قد اغتم بما جرى من إعزاز دين الله تعالى، وتسديده إياي، وتوفيقه لي، وما انصرفت عليه من جميل الحال، وأنهم لا يدَعون التسبب إلى مكروهي بكل ما يجدون السبيل إليه، وإنّ هذا ما يتهيأ لهم به كل شيء يريدونه من التشنيع والإغراء بي، ودفعتهم عن ذلك فأبوا/ عليّ، وقالوا هذا مما لا يحل كتمانه، ولا ستره إذ كان الخلق في 27 ب حيرة، لا يعرفون الحجة فيما هم متمسكون به من الحق، ولا كسر قول الباطل والضلال ودحض حجتهم، وأكثروا عليّ ولم يدعوني حتى أمليت عليهم بعض ما جرى بيني وبين بشر، وحذفت أكثر المجلس، وعامة الكلام، واقتصرت على بعض ذلك؛ ليقل التشنيع عليّ، وكتبه عنّي خلق كثير، وكتبه قوم عن قوم، وشاع وذاع، وكثر في أيدي الناس، وكُتب به إلى سائر البلدان والأمصار، وظهر القول به، واتّصلت به الأخبار، فشق ذلك على بشر المريسي وأصحابه، وسائر مَن كان يقول بقوله، ويعتقد مذهبه، وغلظ عليهم وعظم عندهم ما ظهر للناس من كسر قولهم، ودحض حجتهم، وفضيحة مذهبهم، فاجتمعوا عليّ، وتآمروا وتشاوروا فيما قد نزل بهم، فاجتمع رأيهم على إعلام أمير المؤمنين، وإغرائه بي، واستعدوا ليوم مجلسه الذي يجلس فيه في بيت الحكمة، وكان له مجلس في كل جمعة، يجتمع فيه أهل الحديث، وأهل الفقه، وأهل العربية، وأهل النظر، وأصحاب الكلام، ويقعد المأمون من وراء الستر، بحيث يسمع كلامهم ومناظرتهم لبعضهم بعضا، ولا يخفى عليه منها شيء، فاجتمعوا جميعا على رأي واحد، فلما تكامل بهم المجلس، وقعد أمير المؤمنين حيث كان يقعد، أمرهم الخادم بالكلام حسبما كان يفعل قبل ذلك اليوم، فقالوا جميعا: يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، لم يبق فينا للكلام موضعا، لما قد لحقنا في أنفسنا من المكروه والذل
(1) كتب: ليعلمونه ويتعارفونه ويشيعونه