فهرس الكتاب
، وتوثّب العامة علينا، وندائهم علينا في المساجد والأسواق والطرق، وقد ضاق علينا هذا البلد مع سعته، فقال لهم المأمون: ومما [1] ذلك، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، مما فعل هذا الجاهل عبد العزيز المكي، خرج من مجلس أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، وجمع الغوغاء والعوام واللفيف، فأملى عليهم ما جرى في مجلس أمير المؤمنين، وزاد عليه مثله، مما لم يكن، ولم يزل يتحمل عندهم، ويتسوق، ويقول بين كل كلمتين: قال لي المأمون، وقلت للمأمون، وقال لي بشر، وقلت لبشر، فلا يفرق بين أمير المؤمنين وبين غيره بدعاء لأمير المؤمنين، ولا يذكر الخلافة وجلالتها، ولا يذكر اللقب، فأزال هيبة أمير المؤمنين، وأغراهم بسائر أوليائه وخدمه وحشمه، وجميع أهل الفقه والنظر من أوليائه وعبيده، وأمرهم أن يشيعوا ذلك ويذيعوه، ويكتبوا به إلى سائر الأمصار، ووضع لنفسه كتابا ترجمه بكتاب الحيدة، وأقعد جماعة من الوراقين في مسجده، فنسخوه للناس نسخا، ولم يزالوا يكثرون عليه، ويغلظون بقلبه، ويعظمون الأمر عنده حتى غاظه ذلك، وأمر بعض الخدّام بإحضاري، فجاءني الخادم، ومعه جماعة، وقد كنت قبل ذلك استترت في بيتي، وأغلقت/ بابي، ومنعت الناس من المجيء إليّ، فلم يوافق مجيئه 28 أ أحدا على بابي، فأعلمت بمكانه، فخرجت إليه مسرعا، فقال: أجب أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، فقلت: السمع والطاعة لأمير المؤمنين، وكنت مترقبا لذلك، متخوفا منه، فركبت وسرت إلى دار أمير المؤمنين، فأدخلني، وقد جلس أمير المؤمنين، وهم بحضرته في بيت الحكمة، فلما رأيته أنكرت وجهه، وعلمت أنه مغضب، فلما صرت بين يديه، أقبل عليّ، فقال لي: يا عبد العزيز، تخرج خبري، وتتحدث عما كان في مجلسي، وتتفكه بذكري، وتقول: قال لي المأمون، وقلت للمأمون، وتزيد في القول عليّ، وتضع الكتب، وتجمع العوام، وتغريهم بأوليائي، وتكفِّرهم، وتذكر كسر قولهم، وبطلان مذهبهم، وإنما كان ذلك لما أظهرته من تقريبك وايناسك وتصديقك وتخيير كلامك، ومنعي المناظرين من إقامة الحجة عليك، وإنما جرى الكلام في جزء من أجزاء كثيرة مما عندهم، وما يقولون إنهم يكسرون به قولك،
(1) كتب: ومن ذلك.