فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 121

فوقك في الآخرة أحد، يا أمير المؤمنين! إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك من الله ببعضها، يا أمير المؤمنين! اتق الله فإنها وصية الله إليكم جاءت، وعنكم قيلت، وإليكم تُردّ يا أمير المؤمنين، إن الله لم يرض من آل داود عليه السلام، وقد نفلهم الدنيا، ورفلهم فيها، فلم يجعل ما أنفقوا سرفا، ولا ما أمسكوا كنزا، يقول الله تعالى: [وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ] [1] ، ثم لم يرض منهم مع ذلك كله إلاّ بالشكر، فقال تعالى: ... [اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ] [2] ، وإنَّ شكرك في عباد الله أن تحسن إلى محسنهم، وتتجاوز عن مسيئهم، وتحلم عن جاهلهم.

وقال المبارك بن فضالة: إني لعند أبي جعفر المنصور إذ أُتي برجل فأمر بقتله، فقلت: يُقتل رجل وأنا حاضر، وهو من المسلمين! فقلت: يا أمير المؤمنين! ألا أحدثك بحديث سمعته من الحسن، قال: وما هو؟ قلت: سمعته يقول: إذا كان يوم القيامة، جُمِع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، فيقوم مناد من عند الله فيقول: ليقم مَن له عند الله يد، فلا يقوم إلاّ مَن عفا، فقال المنصور: آلله، أسمعته من الحسن، قلت: آلله، سمعته من الحسن، قال: خليا عنه، فخلّى عنه.

وقال أحمد بن أبي بكر بن عبد الله بن الزبير: إني لعند سليمان بن عبد الملك، إذ دخل عليه أعرابي، فقال له سليمان: تكلم يا أعرابي، فقال: يا أمير المؤمنين! إني مكلمك بكلام فاحتمله، إنْ كرهته فإنّ وراءه ما تُحبّ إنْ قبلته، فقال له سليمان: والله يا أعرابي إنَّا لنجود بسعة الاحتمال على مَن لا نرجو نصحه، ولا نأمن، فقل، فقال: يا أمير المؤمنين! إذا أمنت بادرة غضبك فسأطلق لساني بما خرست الألسنة عن غضبك به، ناد به لحق الله، وحق إمامتك يا أمير المؤمنين، إنك تكنفك رجال أساءوا الاختبار لأنفسهم، فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك / في الله، ولم 30 ب يخافوا الله فيك، حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما أتمنك الله، فإنهم لم يألوا

(1) ص 25، 40

(2) سبأ 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت