فهرس الكتاب
أمير المؤمنين! إنما بدأت بحق الله عليّ، بذكر ما خصّ الله به أمير المؤمنين من عظيم الأخلاق، وجميل الأفعال، وما أوجبه الله تعالى على الخلق من طاعته ووصله بما شرّفه الله تعالى من الحلم، وزيّنه به من العلم، وكرّمه به / من العفو، وأتبعت ذلك بما روي عن آبائهم رضوان الله عليهم؛ ليكون 31 أ زائدا في نعم الله عقدة، ومرجى للصفح عما كان مني من جهل أو خطأ، فإني أعترف بالذنب، وأُقِر بالإساءة، وأستغيث بأمير المؤمنين، وأسأله الصفح والتجاوز، فإنّ الله تعالى قال في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق: [وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ] [1] ، والعسى من الله تعالى واجب، فأخبر تعالى باعترافهم أنه يتوب عليهم، ويغفر لهم لمَّا اعترفوا على أنفسهم، وقال تعالى: [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ] [2] ، وقال تعالى: [وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا] [3] ، فهذه أخبار الله تعالى عن نفسه، أنه يغفر لمن اعترف واستغفر، ولم يصر على ما فعله، ثم أنا بعد هذا أعتذر بما يوجب العذر لي، ويزيل عني اللوم والحجة فيما فعلت إنْ أذن أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه في ذلك، فقال المأمون: قل ما تريد، مما يبين فيه عذرك، ويزيل فيه الحجة عليك فيما فعلت، فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّ الله تعالى ذكر الملائكة بأجمل ذكر، ووصفهم بأحسن صفة، وامتدحهم بأحسن مدحة، فقال تعالى: [وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ] [4] ، وقال تعالى: [بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ] [5] ، وقال تعالى: [بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ] [6] ، وقال تعالى: [وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ] [7] ، وقال تعالى: [لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ
(1) التوبة 102
(2) آل عمران 135
(3) النساء 110
(4) الأنبياء 20
(5) الأنبياء 26، 27
(6) عبس 15، 16
(7) الانفطار 10، 11