فهرس الكتاب
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] [1] ، فأخبرنا الله تعالى عن طاعتهم له، وقبولهم لأمره، وشهد لهم أنهم لا يعصونه، وأنهم من خشيته مشفقون، ثم قال تعالى: [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ] [2] ، فأخبر تعالى عن مراجعتهم إياه فيما أعلمهم أنه فاعله، ومعارضتهم له فيما اختاره، وتعريضهم بأنفسهم لطلب الخلافة، وأنهم أحق بها من اختياره، وهم أهل طاعته، الذين قد أثبتها الله تعالى، ونفى عنهم العصيان، وكان فعلهم هذا، ومراجعتهم إياه عندهم مباحا مطلقا غير محرّم ولا محظور؛ لأنه لم ينههم عنه قبل ذلك، ولم يحظره عليهم، فعلموا بإمساك الحظر عليهم ما لم يرضه منه، فأراد تعالى أن يثبت عليهم الحجة، ويعلمهم أنّ آدم عليه السلام أحق بالخلافة منهم، وأنّ مراجعتهم إياه مما قد كرهه منهم، فقال تعالى: [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] [3] ، يعني في قولكم إنكم أحق بالخلافة من آدم، [قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا / مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ] [4] ، 31 ب فاعترفوا بالعجز عن علم الله، وعمَّا لم يعلمهم الله تعالى [قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ] [5] ، فدلّ هذا على أنّه امتحن الملائكة بالمسألة عن الأسماء التي عجزوا عن علمها، وعلَّمها آدم عليه السلام، ثم سأل آدم فأنبأهم بها؛ ليعلمهم فضل آدم عليهم بالعلم الذي أودعه إياه، وأنه أحق بالخلافة منهم؛ لفضل علمه، وأثبت الحجة عليهم من أنفسهم، وبإقرار أنفسهم، واعترافهم بالعجز عما علمه آدم، وأنه كان أعلم باختباره منهم، ثم أعرض عنهم بعد إثبات الحجة عليهم حتى لاذوا بالعرش، وطافوا حوله، واستغفروه، فغفر لهم، ولم نجد الله تعالى ذمهم فيما كان من أمر مراجعتهم إياه، ولا ألزمهم ذنبا ذكره عنهم، ولا خرجوا بمراجعتهم إياه من صفته ومدحته لهم،
(1) التحريم 6
(2) البقرة 30
(3) البقرة 31
(4) البقرة 32
(5) البقرة 33