فهرس الكتاب
إذ كانوا إنما عملوا في ذلك بإمساك الحظر عليهم، وهم عند أنفسهم غير حرجين، ولا مأزورين، ولقد تمت مدحة الله لهم، وصفته لطاعتهم إلى أنْ بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وهو آخر الأنبياء، فامتدحهم في كتابه الذي أنزله عليه، وهو القرآن، وأخبره بكرامتهم عليه، وأنهم لا يعصونه، ولا يخرجون عن طاعته، ولم تزل الأنبياء أجمعون بعد الملائكة يعلمون فيما لم ينهوا عنه، ولم يحرم عليهم بإمساك الوحي عنهم، حتى إذا نُهوا عن الشيء، وحظر عليهم فعله انتهوا عنه، فلم يفعلوه، ولم يقربوه، وتحاموه وجانبوا مَن أتاه، أو فعله، فكان آدم عليه السلام أول الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين خلقا خلقه الله تعالى بيده، ونفخ فيه من روحه، واصطفاه لنفسه، وسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، فقال تعالى: [فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ] [1] ، وقال تعالى لإبليس: [مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ] [2] فمن يبلغ عقله أوفهمه أنْ يصف قدر منزلة آدم عليه السلام عند ربه، وقد أسجد له صفوته، وأهلَّ الكرامة عليه من خلقه، ثم أسكنه الجنة، وأباحه إياها، فأكل منها ما شاء، من حيث شاء مباحا مطلقا غير ممنوع، ولا محذور عليه، ولا حرج عليه فيما يفعل، فقال تعالى: [وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا] [3] ، وقال تعالى: [وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا] [4] ، فأخبر تعالى أنه أباحهما الجنة يأكلان من حيث شاءا، ثم أمرهما، ونهاهما، فقال تعالى: [وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ] [5] في غير موضع من القرآن، وقال تعالى: [إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى] [6] ، فلما جاء الأمر والنهي، ووقع التحريم والحظر عليهما كانا بذلك ممنوعين مما كان مباحا لهما، مطالبين / بالأمر والنهي وقد 32 أ أعلمهما تعالى أنهما إنْ خالفا أمره، وارتكبا نهيه كانا من الظالمين،
(1) الحجر 29، ص 72
(2) ص 75
(3) البقرة 35
(4) الأعراف 19
(5) البقرة 35، الأعراف 19
(6) طه 116، 117