فهرس الكتاب
فأوجب عليهما بهذا الخبر الطاعة فيما أمرهما به، والانتهاء فيما نهاهما عنه، والحذر مما حذرهما منه، والخوف مما تواعدهما به، وهما أعظم خلقه عنده قدرا، وأرفعهم منزلة، وأعلاهم مرتبة، فلما خالفا أمره، وارتكبا نهيه، وسكنا إلى مَن حذرهما منه، حقّ عليهما عقوبته، فسلبهما كرامته، وأخرجهما من داره، وباعدهما من قربه وجواره، وأهبطهما من سمائه إلى أرضه، فكان فعله هذا بهما بعد مخالفتهما للأمر، وارتكابهما للنهي، فقال تعالى: [فَأَكَلَا مِنْهَا] [1] ، يعني الشجرة التي نهى عنها [فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى] [2] ، وقال تعالى في موضع آخر: [فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ] [3] ، فأعلمنا تعالى أنه ما سلبهما لباس كرامته، وأخرجهما من داره، وأهبطهما مهبط العاصين، وأسكنهما دار الخاطئين إلاّ بعد مخالفتهما أمره، وارتكابهما نهيه، ولم نجد الله احتج عليهما بعلمه السابق فيهما، وإنما احتج عليهما بمخالفة الأمر، وارتكاب النهي [وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ] [4] ، فلما سمعا الخطاب من الله تعالى علما أنهما قد أخطأا، وظلما أنفسهما بمخالفتهما أمره، وارتكابهما نهيه، فندما واعترفا بالخطأ، وقالا مقالة الخاطئين [رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ] [5] ، فكان اعترافهما لله بخطئهما عند ثبات الحجة منه عليهما، ومخاطبته إياهما بها، ولم نجد الله تعالى ذمهما على شيء كان منهما قبل مخالفتهما أمره، وارتكابهما نهيه، وبذلك جرت سنّة الله تعالى في ولدهما وذريتهما من بعدهما، وكان نوح عليه السلام بعد آدم عليه السلام، وهو أبو الخلق بعد آدم، وهو صفوة الله تعلى، اصطفاه الله تعالى، وارتضاه، وسلم عليه، وأثنى عليه، وسماه عبدا شكورا،
(1) طه 121
(2) طه 121
(3) الأعراف 22
(4) الأعراف 22
(5) الأعراف 23