فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 121

فقال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا] [1] وقال تعالى: [سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ] [2] ، وقال تعالى: [ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا] [3] ، فذكره الله تعالى بأجمل ذكر، وأثنى عليه أحسن الثناء، وقصّ عليه قصصه، وما لبث في قومه، فقال تعالى: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا] [4] ، فصبر على أذاهم ومكروههم محتسبا صابرا؛ رجاء أن يهديهم الله تعالى، فيؤمنوا، وهو مع ذلك يكثر مخاطبة الله تعالى في أمرهم، ويسأله تأخير العذاب عنهم، ويذكر له ما يرجوه من ايمانهم، ولا يشكوهم، ولا يذمهم، حتى جاء الوقت الذي أذِن الله تعالى في هلاكهم، وقضى فيه غرقهم، فقال تعالى: [وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا/ يَفْعَلُونَ 32 ب، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ] [5] ، وقال تعالى في موضع آخر: [فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ] [6] فأعلمنا تعالى أنه لم يزل نوح عليه السلام يكثر خطاب ربه في أمر قومه، ويسأله تأخير العذاب عنهم؛ لما يرجوه من ايمانهم؛ لأن قوله تعالى في غير موضع، [وَلَا تُخَاطِبْنِي] دليل على خطاب قد تقدم، كثر منه في أمرهم، فنهاه عن ذلك؛ ليتم قضاؤه عليهم، فكان نوح عليه السلام يعمل في مخاطبة ربه، ومراجعته في أمر قومه بإمساك بالوحي عن نهيه، وإنّ ذلك لمباح مطلق، غير محرّم، ولا محظور، فلما جاء الأمر والنهي وجب على نوح عليه السلام الطاعة لله تعالى في اتّباع أمره، والانتهاء عما نهاه عنه، فانتهى عليه السلام عن المخاطبة لله تعالى في أمر قومه، ومعاودته المسألة فيهم، ويئس من إيمانهم، وثقل عليه ما كان خفيفا، وعظم عليه ما كان يسيرا من الصبر على مكروههم، الذي كان يتقرب به إلى ربه تعالى، ويؤمّل به عظيم ثوابه

(1) آل عمران 33

(2) الصافات 79

(3) الإسراء 3

(4) العنكبوت 14

(5) هود 36، 37

(6) المؤمنون 27

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت