فهرس الكتاب
، وعلم عليه السلام أنّ الله تعالى قد أذِن في هلاكهم، فأحبّ ما أراده الله تعالى، فدعا عليهم فقال: [رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا] [1] ، وقال: [فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ] [2] ، كان ذلك طاعة لله تعالى، وتقربا إليه، ولم نجد أنّ الله تعالى ذمّ نوحا، ولا أثبت عليه حجة فيما كان من خطئه قبل النهي في قوله؛ لأن ثبات الحجة إنما يكون بعد الأمر والنهي، ثم ذكر تعالى قصة نوح وابنه، فقال تعالى: [وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ] [3] ، وقال تعالى: [وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ] [4] ، فلم يزل نوح عليه السلام ينادي ابنه حتى يئس منه، وعلم بغرقه، فلما علم بغرقه رجع إلى ربه يسأله في أمره، ويذكر له ما كان وعده من نجاة أهله، وكان الله تعالى وعد نوحا عليه السلام أن ينجي أهله المؤمنين خاصة، دون الكافرين، وكان نوح عليه السلام يعمل في نداء ابنه، ومناجاة ربه في أمره بإمساك الوحي لنهيه، والحظر عليه، وهو يرى أنّ ابنه من أهله الذين وعده نجاتهم، وأنه غير حَرِجٍ ولا مأزور في فعله، فلما نهاه الله تعالى عن ذلك، وحظره عليه، وأعلمه أنه ليس من أهله المؤمنين الذين وعده نجاتهم، بقوله تعالى: [قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ] [5] ، يقول: ليس من أهلك المؤمنين الذين وعدتك نجاتهم [إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ] [6] فلما نهاه الله عن المسألة في أمر ابنه، وجب عليه الطاعة لأمر ربه، والانتهاء عما نهاه عنه، فأمسك نوح عليه السلام عن معاودة ربه بذكر ولده، والمساءلة في أمره، وندم على ما تقدم في مساءلة ربه، فاعتذر إلى ربه، فقال: [رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي/ 33 أ بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ] [7] ، ولم نجد الله تعالى ذمّ نوحا في ما كان من ندائه لابنه، ولا في مراجعته لربه قبل
(1) نوح 26
(2) القمر 10، والذي كتب: رب إني مغلوب فانتصر.
(3) هود 42
(4) هود 45
(5) هود 46
(6) هود 46
(7) هود 47