فهرس الكتاب
التحريم والحظر، وجاء النهي، ولم نجد الله تعالى ذمّه فيما كان من قبل النهي، ولا ثبتت له عليه حجة؛ لأن الحجة له إنما تثبت بعد الأمر والنهي، وبذلك جرت سنة الله تعالى في ولد إبراهيم عليه السلام وذريته بعده، ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر لأمه آمنة بنت وهب ما شاء الله تعالى من دهره إلى أنْ فتح مكة، فركب إلى قبرها في ألف مُدجج، نزل على قبرها، فلم يزل يستغفر لها، وكان ذلك منه صلى الله عليه وسلم بإمساك الوحي عن نهيه، والحظر عليه، وهو في ذلك غير حرج ولا مأزور، فكان ذلك له مُباحا مطلقا، إذ لم يُنه عنه، وكان في علم الله تعالى أنه مَن كان معه ممن قد سمعه يستغفر لها سيتفرقون ويتحدثون بذلك، فنزل الملك جبريل عليه السلام، ونهاه عن الاستغفار لأمه، فبكى رحمة لها، ودخله ما يدخل الولد لوالدته، فزجره فنهاه، فاشتد بكاؤه وشهيقه، وجعل يراجع ربه في / أمرها، ويذكر استغفار إبراهيم لأبيه، وأنه لم ينهه 33 ب عن ذلك، ولم ينزل في القرآن عليه أنه قد نهاه عن ذلك، فهبط عليه جبريل عليه السلام بالوحي من الله تعالى، وهو قوله تعالى: [مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ] [1] ، فحرم عليه، وعلى سائر المسلمين أنْ يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى، وحظر ذلك عليهم جميعا، وعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قد نهى إبراهيم عليه السلام عن الاستغفار لأبيه، وأمره بالتبرؤ منه، وأنّ إبراهيم عليه السلام قد أمسك عن الاستغفار لأبيه، وتبرأ منه؛ قبولا من ربه، وانتهاء عما نهاه، وأنّ ذلك كان بوحي أنزله على إبراهيم، ولم ينزله في القرآن، ولم يذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: [وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ] [2] ، فدل هذا على أنّ إبراهيم عليه السلام نُهي عن الاستغفار لأبيه، وأمره بالتبرؤ منه بوحي أوجب عليه قبوله، وأنّ إبراهيم عليه السلام قبل أمره وانتهى عما نهاه، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنّ إبراهيم الخليل عليه السلام داخل في جملة
(1) التوبة 113
(2) التوبة 114