فهرس الكتاب
المؤمنين، الذين ليس لهم أنْ يستغفروا للمشركين، فوجب على النبي صلى الله عليه وسلم الانتهاء عما نهاه الله تعالى عنه، فانتهى صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لأمه آمنة بنت وهب، وتبرأ إلى الله تعالى منها، وقال بحضرة أصحابه، ومَن حضر كلامه: (اللهم إنّي أتبرأ إليك من آمنة كما تبرأ إبراهيم من أبيه) ولم نجد الله تعالى ذمّ نبينا صلى الله عليه وسلم فيما كان من استغفاره لأمه قبل الأمر والنهي، ولا ألزمه لوما، ولا أثبت عليه حجة، إذ كانت الحجة أيضا ثبتت بعد الأمر والنهي، وبذلك جرت سنّتة في أمّته كلها من بعده، ولقد ذكر الله تعالى قصة إبليس، وما كان فيه في السماء مع الملائكة في الجنة، وهو في سابق علمه بأنه ملعون رجيم، عدو له ولخلقه، مخالف لأمره، مرتكب لنهيه، عاصٍ له، خلقه من نار، وجعل مصيره إلى النار، فلم يخرجه سابق علمه فيه من جنته، ولا باعده من قربه، ولا نفاه عن أهل طاعته، ولا أهبطه من سمائه إلى أرضه إلاّ بعد خروجه عن أمره ونهيه، وثبات الحجة عليه بمخالفته وعصيانه، فقال تعالى: [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ] [1] ، وقال تعالى في موضع آخر: [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ] [2] ، وقوله تعالى: [إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي / خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ 34 أ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ] [3] ، وقوله تعالى: [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى] [4] ، فأخبرنا تعالى أنه أبى قوله، وخالف أمره، فغضب عليه، ولعنه، وجعله من المرجومين، وأخرجه من الجنة وهو من الصاغرين، وأهبطه إلى الأرض، فصار من المدحورين، بقوله تعالى:
(1) الحجر 28 ـ 31
(2) البقرة 34
(3) سورة ص 71 ـ 74
(4) طه 116، 117