ثم بلغني بعد ذلك أنه أُشيع في البلد كتابة اعتراض على ما أجبت به، وأنه أُحضر إلى المؤرخ شمس الدين السخاوي [1] ، ففرح به، وكتبه في تاريخه [2] ، وصار يعرضه على كل مَن دخل إليه، وذلك الظن به، فإنه بمعزل عن هذا الأمر خصوصا، وعن سائر العلوم عموما، وغاية علمه معرفة الأشعار والوقائع، التي ترونها في تاريخه صباحا ومَساء، حقًا كانت أو باطلا، وأمَّا العلم فإنه لا يميز فيه بين الصواب والخطأ، ولا بين الحق والباطل، ثم بعد أيام أُحضرت إليَّ ورقة الاعتراض، وأخبرني اثنان أنها نُقلت من خط المعترِض بذلك، وهو أخونا الشيخ سري الدين عبد البر [3] بن قاضي القضاة محب الدين أبي الفضل ابن العلامة محب الدين أبي الوليد بن الشحنة الحنفي، وفَّقه الله تعالى، وحفظه، وحفظ والده، ورضي عن جده، فإذا فيها ما نصه:
قوله: (إنّ من قرأ الرضي لم يترق إلى درجة أن يُسمى مشاركًا) ، ممنوع، لا بدَّ له من دليل، بل الصواب أنّ مَن قرأ الجرومية وفهمها، سُمي مشاركا، إذ لا يعني بالمشاركة
(1) السخاوي (831 - 902 هـ = 1427 - 1497 م) محمد بن عبد الرحمن بن محمد، شمس الدين السخاوي: مؤرخ حجة، وعالم بالحديث والتفسير والادب. أصله من سخا، من قرى مصر، ومولده في القاهرة، ووفاته بالمدينة. ساح في البلدان سياحة طويلة، وصنف زهاء مئتي كتاب أشهرها الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، ترجم نفسه فيه بثلاثين صفحة. وله شرح ألفية العراقي، وهو في مصطلح الحديث، و المقاصد الحسنة، وهوفي الحديث، و القول البديع في أحكام الصلاة على الحبيب الشفيع، و الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ، و الجواهر المكللة في الاخبار المسلسلة، وهو في الحديث، و المعين، وهو رسالة في تراجم المذكورين في الاربعين النووية، و الاهتمام، وهوفي ترجمة النووي، و التبر المسبوك، وهوذيل لتاريخ المقريزي، و وجيز الكلام في الذيل على كتاب الذهبي دول الاسلام، والجواهر والدرر في ترجمة شيخ الاسلام ابن حجر العسقلاني، و الكوكب المضئ، وقد ترجم به بعض معاصريه، و الجواهر المجموعة، وهو في أدب، والتحفة اللطيفة في أخبار المدينة الشريفة، و بغية العلماء والرواة، وهو ذيل لكتاب رفع الاصر عن قضاة مصر، و الذيل على طبقات القراء لابن الجزري، و الغاية في شرح الهداية، و عمدة القارئ والسامع، وهو في الحديث، و القول التام في فضل الرمي بالسهام، والشافي من الالم في وفيات الامم في القرنين الثامن والتاسع، و تاريخ المدينتين، و التاريخ المحيط، و طبقات المالكية، و تلخيص تاريخ اليمن، و تلخيص طبقات القراء، و الرحلة السكندرية، و الرحلة الحلبية، و الرحلة المكية، وغير ذلك. وكان بينه وبين السيوطي من الشحناء ما يكون بين المتعاصرين في الغالب. الأعلام 6/ 194 ـ 195: المكتبة الشاملة.
(2) يعني في الضوء اللامع
(3) هو عبد البر بن محمد بن محمد قاضي القضاة، أبو البركات، سري الدين، ابن قاضي القضاة أبي الفضل محب الدين ابن قاضي القضاة أبي الوليد محب الدين أيضًا ابن الشحنة، الحنفي. ولد بحلب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، ثم رحل إلى القاهرة، فاشتغل في علوم شتى على شيوخ متعددة، ذكرهم السخاوي في ترجمته في الضوء اللامع، منهم والده، وجده، ودرس وأفتى، وتولى قضاء حلب، ثم قضاء القاهرة، وصار جليس السلطان. وكان عالمًا متفننًا للعلوم الشرعية والعقلية، قال ابن طولون: ولم يثن الناس عليه خيرًا، وقد هجاه عبيد السلموني شاعر القاهرة بقصيدة في غاية البشاعة والشناعة، قال في أولها:
فشا الزور في مصر، وفي جنباتها ... ولِمْ لا وعبد البر قاضي قضاتها
وقيل: كان لعبد البر في عصره حشمة وفضل، وكان تلميذه القطب بن سلطان مفتي دمشق يثني عليه خيرًا، ويحتج بكلامه في مؤلفاته، وكان ينقل عنه أنه أفتى بتحريم قهوة البن، وله مؤلفات كثيرة منها شرح منظومة بن وهبان، في فقه أبي حنيفة النعمان، ومنها شرح الوهبانية، في فقه الحنفية، وشرح منظومة جده أبي الوليد بن الشحنة التي نظمها في عشرة علوم، وكتاب لطيف في حوض دون ثلاث أذرع. هل يجوز فيه الوضوء أو لا. وهل يصير مستعملًا بالتوضؤ فيه أولًا؟ ومنها: الذخائر الأشرفية، في الغاز الحنفية، وله شعر لطيف، وكانت وفاته يوم الخميس، خامس شعبان، سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، بدمشق. انظرالكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة 2/ 219 - 221