فهرس الكتاب
فجعل الإفساد قتلًا بحرفيَّة وتهوُّرًا ، هذا ومذهب الشعراء المدح بالأحياء عند العطاء ، وبالأمانة عند منع الحباء ، ولهذا استحسن قول الشاعر [1] :
شَتَانَ بين محمدٍ ومحمدٍ حيٌّ أماتَ وميِّتٌ أحياني
فصحبتُ حَيّا في عطايا ميتٍ وبقيتُ مشتملًا على الخسران
ومن هؤلاء العوام الذين يتهالكون فيه مَن هذا عنده أبدع من قول البحتري [2] :
... ... أَخجلتني بِنَدى يَدَيكَ فَسَوَّدَت ... ما بَينَنا تِلكَ اليَدُ البَيضاءُ
... ... صِلَةٌ غَدَت في الناسِ وَهيَ قَطيعَةٌ عَجَبًا بِبِرٌّ راحَ وَهوَ جَفاءُ
ومن ركيك صنعته في وصف شعره ، والزراية على غيره أنّ بعضا من القريض هذاء ليس شيئا ، وبعضه أحكام / ومن هذا نتيجة قريحته في نعت الشعر كيف يطمع له فيه 13 أ بادِّعاء السبق لولا التقليد الذي صار آفة العقول ، وعاهة الألباب ، ومما لم أقدّره يلج سمعا ، أو يرِد أُذنا قوله:
... ... جَوابُ مُسائِلي أَلَهُ نَظيرٌ وَلا لَكَ في سُؤالِكَ لا أَلا لا [3]
وقد سمعت بالتمتام ، ولم أسمع بالألاء حتى رأيت هذا المتكلف المتعسف ، الذي لا يقف حيث يعرف ، ومن استرساله إلى الاستعارة التي لا يرضاها عاقل ، ولا يلتفت إليها فاضل:
... ... في الخَدِّ أَن عَزَمَ الخَليطُ رَحيلًا مَطَرٌ تَزيدُ بِهِ الخُدُودُ مُحولا [4]
فالمحول في الخدود من البديع المردود ، ثم لهذا الابتداء في القصيدة من العيوب ما يضيق الصدور ، ومن مدحه ببعد الغور ، وقد غوّر فيه لعمري وما أنجد ، قوله [5] :
... ... تَتَقاصَرُ الأَفهامُ عَن إِدراكِهِ مِثلَ الَّذي الأَفلاكُ فيهِ وَالدُنا
(1) من الكامل ، وقد نسبه الثعالبي في لباب الآداب ، ص 339 ( م ) لمخيم الراسبي ، وهو في خزانة الأدب 6/298 بلا عزو .
(2) من الكامل ، ديوان البحتري 2/319.
(3) من الوافر ، ديوان المتنبي 1/186
(4) من الكامل ، ديوان المتنبي 1/189
(5) من الكامل ، ديوان المتنبي 1/196