الصفحة 3 من 7

سلمان الخطابي، والقاضي أبو الطيّب الطبري، وآخرون ممن بعدهم، وحاصل ما حملوه عليه شيئان:

أحدهما أنّ معنى قوله: لا تمنعُ يد لامس، كناية عن الفجور، وهذا قول أبي عُبيد، وابن الأعرابي، وبه جزم الخطابي في معالم السنن، وشرح الحديث، فقال: معناه الرِّيبة، وأنها مُطاوِعة لمن أرادها، لا تَردُّ يده، وقوله: غرِّبها (بالغين المعجمة) فعل أمرٍ من التغريب، معناه الطلاق، وأصل الغرب في كلام العرب البعد. قلتُ: وقع في رواية البزار في مُسنده بلفظ طلِّقها، وهو شاهد لتفسير الخطابي، وكذا الرواية في حديث / جابرفارقها، هذا معناه 2 ب قال الخطابي: وفي الحديث دليل على جواز نِكاح الفاجرة، وإنْ كان الاختيار غير ذلك، قلتُ: واحتج به الرافعي في الشرح الكبير لذلك [1] ، وكذلك القاضي أبو الطيّب، كما سيأتي سياق كلامه، قال الخطابي: ومعنى قوله: استمتع بها أي لا تمسكها إلاّ بقدر تقضِّي متعة النفس منها، ومن وطره، والاستمتاع

(1) جاء في التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير 4/ 417 ـ 418 / المكتبة الشاملة، ما نصّه:

1773 - (4) - حَدِيث: {أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ: طَلِّقْهَا قَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا، قَالَ: أَمْسِكْهَا} .

الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا، وَأَسْنَدَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ، وَاخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ وَإِرْسَالِهِ، قَالَ النَّسَائِيُّ الْمُرْسَلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ.

وَقَالَ فِي الْمَوْصُولِ: إنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ، لَكِنْ رَوَاهُ هُوَ أَيْضًا وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ، وَإِسْنَادُهُ أَصَحُّ، وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الصِّحَّةَ، وَلَكِنْ نَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ.

وَتَمَسَّكَ بِهَذَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَأَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، مَعَ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْت أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، فَقَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَذَكَرَهُ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ فَسَمَّى الرَّجُلَ هِشَامًا مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَأَخْرَجَهُ الْخَلَّالُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ: لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ.

(تَنْبِيهٌ) : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْفُجُورُ، وَأَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنْهَا الْفَاحِشَةَ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْخَلَّالُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، وَالْخَطَّابِيُّ وَالْغَزَالِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ، وَهُوَ مُقْتَضَى اسْتِدْلَالِ الرَّافِعِيِّ بِهِ هُنَا.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ التَّبْذِيرُ، وَأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ أَحَدًا طَلَبَ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَالْأَصْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ.

وَقَالَ بَعْضُ حُذَّاقِ الْمُتَأَخِّرِينَ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ: أَمْسِكْهَا: مَعْنَاهُ أَمْسِكْهَا عَنْ الزِّنَا أَوْ عَنْ التَّبْذِيرِ، إمَّا بِمُرَاقَبَتِهَا، أَوْ بِالِاحْتِفَاظِ عَلَى الْمَالِ أَوْ بِكَثْرَةِ جِمَاعِهَا، وَرَجَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الْأَوَّلَ بِأَنَّ السَّخَاءَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِقَوْلِهِ:"طَلِّقْهَا"وَلِأَنَّ التَّبْذِيرَ إنْ كَانَ مِنْ مَالِهَا فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ فَعَلَيْهِ حِفْظُهُ، وَلَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِطَلَاقِهَا، قِيلَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، أَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ يَمُدُّ يَدَهُ لِيَتَلَذَّذَ بِلَمْسِهَا، وَلَوْ كَانَ كَنَّى بِهِ عَنْ الْجِمَاعِ لَعُدَّ قَاذِفًا، أَوْ أَنَّ زَوْجَهَا فَهِمَ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ أَرَادَ مِنْهَا الْفَاحِشَةَ، لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت