ولعل أبرز صفاته التي كَانَ يتحلَّى بِهَا أنه كَانَ حافظًا للجميل شاكرًا لصنيع المحسنين إليه ، ويدل عَلَى ذَلِكَ - كَمَا مَرَّ - أن الشَّيْخ ربيع بن عَبْد الله كَانَ صاحب الفضل عَلَيْهِ في توجهه إلى طلب العِلْم وسفره إلى القاهرة ،فكان ردّ المترجم عَلَى ذَلِكَ أنه: إذا ورد عَلَيْهِ الشَّيْخ ربيع أو زوجته أو أحد من أقاربه يجعله في زمن صمدته ومنصبه ، وَكَانَ يقضي حوائجهم ويعترف بالفضل لَهُمْ ، وربما مازحته زوجة الشَّيْخ ربيع التي ربَّتْهُ .
وَكَانَ في النهاية من الانهماك في طلب العِلْم ، لا يجعل لنفسه متنفسًا سواه ، حَتَّى أشغله عَنْ مأكله ومشربه ، فحكى عَنْ نَفْسه ، قَالَ: جئت من البلاد وأنا شابٌّ فلم أعكف عَلى الاشتغال بشيء من أمور الدنيا وَلَمْ أعلّق قلبي بأحد من الخلق ، قَالَ: وكنت أجوع في الجامع كثيرًا ، فأخرج في الليل إلى الميضأة وغيرها ، فأغسل مَا أجده من قشيرات البطيخ حوالي الميضأة وآكلها ، وأقنع بِهَا عَنْ الخبز .
وَكَانَ عَلَى دَرَجَة من اليقين بالله وتفويض الأمور إليه، فروى من حاله أنه قَالَ: فلما أتممت شرحها - يعني:"البهجة"- غار بَعْض الأقران ، فكتب عَلَى بَعْض نسخ الشرح: كِتَاب الأعمى والبصير ؛ تعريضًا بأني لا أقدر أشرح البهجة وحدي ، وإنما ساعدني فِيهِ رفيق أعمى كنت أطالع أنا وإياه ، قَالَ: فاحتسبت بالله تَعَالَى ، وَلَمْ ألتفت إلى مِثْل ذَلِكَ .
وَكَانَ من أخلاقه أنه كَانَ صداعًا بالحق ، لَمْ يثنه الخوف عَلَى المنصب أو هيبة سلطان عَنْ زجر الظالم أو إنذار العاصي ، حَتَّى أن الغزي يذكر أن سبب عزله عَنْ القضاء بسبب خطه عَلَى السلطان بالظلم ، وزجره عَنْهُ تصريحًا وتعريضا.ً