الصفحة 10 من 13

عليها [وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا] [1] وفاكهة في غير حينها، فيقول لها: [أَنَّى لَكِ هَذَا] أي من أين هو؟ فتقول: [هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] أي من الجنّة.

والذي قاله غير الحسن أنّ ذلك إنما كان بعد بلوغها مبلغ النساء، فلا يُتساهل فيه.

مُبرّي جُريج: أي وتكلّم في المهد مبرئ جريج، تصغير جرج، وهو إناء يشبه الخُرج [2] ، جُعل علما على الراهب العابد من بني إسرائيل، الذي اتّخذ له صومعة، وكان فيها يُصلي، فأتته أمّه، فقالت: يا جُريج، فقال: يا رب! أمِّي وصلاتي، وأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تُمته حتى ينظرَ وجوه المُومسات، والمياميس: الزانيات الفاجرات، وإنما لم يُجبها لعله رأى أنها تُخرجه من هذه الحالة إلى الدنيا، وإلاّ لخفّف صلاته، وأجابها، وكانت بنو إسرائيل يتذاكرون جُريجا وعبادته، وكانت امرأة بَغي، يُتمثَّل بحسنها، فقالت: إنْ شئتم لأفتننه لكم، فتعرّضت له، فلم يلتفتْ إليها، فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته، وأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلمَّا ولدت، قالت: هو من جُريج، فأتوه واستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم، قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك، فقال: أين الصبي فجاءوا به، فقال: دعوني حتى أُصلي، فصلّى، فلمَّا انصرف، جاء إلى الصبي، وطعنه بأصبعه في بطنه، وقال: يا أبا بؤس، أو يا رضيع! مَن أبوك؟ فقال: فلان الراعي، فأقبلوا على جُريج يقبلونه، ويتمسّحون به، وقالوا له: نبني لك صومعتك من ذهب، فقال: لا، إلاّ من الطين كما كانت، ففعلوا.

هكذا مُبرئ الأمة: أي وتكلّم في المهد مُبرِّئ الأمة، فقد روي أنه كان في بني إسرائيل امرأة تُرضع ابنها، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ، أي نشيطة جادة قوية، ذو هَيْأة حَسَنَةٍ / فَقَالَتْ أُمُّ الرَّضيع: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ 8 الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ، فجَعَل َيَنْظُرُ إِلَيْهِ ثم َقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الثَدْيِ فَجَعَلَ يَرضِعُ، وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ زنَتْ وسَرَقَتْ وَهِيَ تَقُولُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الثدي وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فقالت له أمُّهُ: لِمَ ذلك، فقال: َ إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا، وَإِنَّ هَذِهِ الجارية لَمْ تَزْنِ، فهي بريئة مما اتُّهِمَتْ بهِ.

(1) آل عمران 37، والآية بتمامها: [فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] .

(2) الجرج: وعاء من أوعية النساء. لسان العرب (جرج)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت