إلى البحر فألجّوا به [1] ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ في البحر، وغرّقوه، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ، فَهلكوا وَجَاءَ الغلام يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَقَالَ الْمَلِكِ اقتلوه بالسيف، فضربوه، فتناءى السيف عنه، وفشا خبره في أرض اليمن، وعرفه الناس، فعظّموه، وعلموا أنه وأصحابه على الحق، فقال الغلام للملك: إنّك لا تقدر على قتلي إلاّ إنْ فعلتَ مَا آمُرُكَ بِهِ، فَقَالَ وَمَا هُوَ ذاك؟ [قَالَ] [2] تَجْمَعُ أهلَ مملكتك، وأنت على سريرك، فَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، وترميني بسهم مِنْ كِنَانَتِي وتقول بِاسْمِ رَبِّ الْغُلَامِ، ففعل الملك ذلك، رَمَاهُ فأصاب صُدْغَهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ عليه، وماتَ، فَقَالَ النَّاسُ: لا إله إلاّ الله، عبد الله بن تامر لا دين إلا دينه، فلمَّا آمن الناس برب الغلام قيل للملك: قد والله نزل بك مَا كُنْتَ تَحْذَرُ، فغضب الملك، وأغلق أبواب المدينة، وأخدَّ أَفْوَاهِ السِّكَكِ، وخدَّ أُخدودا، وملأه نارا، وعرض الناس عليه رجلا رجلا، فمن رجع عن الإسلام تركه، ومن قال ديني دين عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود، وأحرقه، وكانت امرأة أسلمت فيمن أسلم، ولها ثلاثة أولاد، واحدهم رضيع، فقال لها الملك: ترجعي عن دينك وإلاّ ألقيتك وأولادك في النار، فأبت / فأخذ ابنها الأكبر، فألقاه في النار، ثم 6 قال لها: ارجعي عن دينك، فأبت، فألقى الثاني في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبت، فأخذ منها الصبي ليُلقى في النار، فهمت بالرجوع، وتقاعست، فقال لها الرضيع: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق، ولا بأس عليك، فأُلقي الفتى في النار، وأُلقيت أمه على أثره، فجعلها الله وأولادها في الجنة، وجميع مَن أُلقي في الأخدود من المسلمين.
وشاهد يوسف: أي وتكلم في المهد شاهد يوسف المذكور في قوله تعالى: [وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا] [3] الآية، وهي حاكمة المبرئ له، وكان صبيا في المهد، أنطقه الله تعالى، وكان ابن خال المرأة راعيل أو زليخا، زوج قطفير العزيز، أو ابن عم لها، ليعود الدم عليها، وتنتفي التهمة عن يوسف، وقال بعضهم: إنه كان رجلا حليما ذا رأي، فقد قال وهب بن منبه: لما قدم به مالك بن ذعر مصر عرضه للبيع، فغالى الناس في ثمنه حيث بلغ وزنه ذهبا، ووزنه فضة، ووزنه مسكا، وحريرا، وكان وزنه أربعمائة رطل، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فابتاعه قطفير
(1) أي ألقوا به في مكان لا يدرك قراره من البحر. لسان العرب (لجج)
(2) زيادة يقتضيها السياق، وهي في صحيح مسلم.
(3) يوسف 26، والآية بتمامها: [قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ] .