فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 54

المعمول يؤذن بالاهتمام به، وإنّ تعريف المسند إليه باللام يفيد حصر الإفراد فيه، وحاشا أن تميل نفوس عامة الأمة لِما استقبحه الشرع، وإنّ نسبة مثل هذا الكلام الوضيع، الذي لا يرضى به الرضيع إلى مَنْ له الكمال الرفيع، بهذه الإشاعة في غاية البشعة، ثم إنّ قول مَن أجاب عنه، أنه أراد به مشروب القوم الذي لا يُوجد به، ولا يؤخذ عليهم في ذلك اليوم لوم ليس بشيء، لأنه رحمه الله ما ذهب إلى استخراج كنز هذا المطلب، ولا حان من حانِ دعاوي دواعي ذلك المشرب / فالقرائن عمَّا ذكر مصروفة، وله جافية، مشارب القوم 7 أ معروفة، وهي ليست بخافية، هذا وإنّ مَن عنده أدنا ذوق في الطريق لم يعدل عن حلاوة الحلوى إلى مرارة الرحيق، وأنه مُستفاد من داخل حَيٍّ نُزولُ، لا مِن خارجه، وما أحسن ما قيل في المثل السائر، الذي يستغني به كل واقفٍ وسائر: كنزك تحت جدارك، وأنت تطلبه مِن جارك، وهذا هو الكلام المُنتفَع، والحقّ أحقّ أنْ يُتَّبَع، ثم إنْ كان المقصود استخراج كل ما خطر بالبال، من غير اعتماد على قرينة القال أو الحال مِن خارج ما قُصد من الكلام دون داخله، كما ذهب إليه هذا الذاهب، ووقف مِن بحر ذوقه على ساحله، فقد عَلِقتُ منه بأشياء قد تحلّت بظريف المباني، وتجلّت بلطائف المعاني، غيرَ أني علّقتُ منها شيئين لذيذين قريبين من المطلوب؛ ليستأنس بها كلُّ مُحبٍّ ومحبوب، وأيّدتُهما تقريبا بالدلائل والشواهد، وأُشنِّف إن شاء الله تعالى ببيانهم سمعَ كلِّ سامع وشاهد: أمَّا الأول، فيحتمل أنْ يكون هو المنَّ، والمَنُّ نوع من الحلوى ينزل من السماء، وأكثر ما ينزل يوجد ببلاد الشرق، ويُنقل منها إلى بلاد الشام وغيرها، وإذا قُلِب وصُحِّف ظهر منهما يَمٌّ، واليمّ البحر، ويُطلق على بحر النيل أيضا، والدليل على هذا قوله تعالى: [فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ] [1] ، قال المفسرون: إنّ المراد من اليمِّ بحر النيل، والنيل يجري بمصر، والشيخ رحمه الله أيضا

(1) القصص 7، والآية بتمامها: [وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت