فهرس الكتاب
منها، ومن عادة الناس أنْ يذكروا الأوطان، ويشكوا مَن فيها مِن القُطَّان، وأن يُبيّنوا ما فيها من العجائب، ويحثّوا الغريب على رؤية الغرائب / ومن جملة محاسنها ذكر المساكن والمسالك، كما وقع للشيخ 7 ب رحمه الله أيضا مثل ذلك، وإذا تبيّن لنا أنّ هذا الشيء اللذيذ هو المنّ، ثم بُيّن بعد القلب والتصحيف أنه اليم، أي بحر النيل، يبقى له قوله: في بُيوتِ حَيٍّ نُزولُ، فيكون مبناه أنّ بحر النيل إذا كسر [1] ينزل إلى بيوت حيّ مصر، ويملأُ خلجانها وصهاريجها وآبارها، ويستقي بقاع قيعانها العامرة، ويجير أهل جميع نواحيها، حتى بلادها العامرة، وهذا النعيم خاص بمصر، وفضائلها جمة من غير حصر، فظهر لنا بعد هذا البيان أنّ المراد من الشيء اللذيذ الذي ذكر في اللغز، هو المنّ لأنه أحلى شيء وألذه من الحلويات، لكونه من السماء [2] ، ولأنه أنزله الله تعالى مِن منِّه على بني إسرائيل في التيه، وجعله الله من الطيبات، وذكره في كلامه المجيد، الذي ليس لأحد عنه محيد، وقال: [وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ] الآية [3] ، فكان أطيب المأكولات وألذها.
ويُحتمل أنه سبحانه وتعالى ستر لهم المشروب في هذه الآية، لأنه ذكر المأكول دون المشروب، ولعلّ مشروبهم مُستفاد من مأكولهم، وهو المن إنْ قلبته، وتصحيفه يم، وهو بحر النيل، وتقدم بيانه، فكأنه سبحانه قال لهم: كلوا من المنِّ، واشربوا من اليمِّ، وذكر لهم أيضا المشرب دون المأكل في آية أخرى، وقال لهم:[فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ
(1) يعني إذا فاض.
(2) كتب: سماويا.
(3) وردت هذه الآية في مواضعين من القرآن الكريم، وهي:
1 ـ قوله تعالى في البقرة 57: [وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] .
2 ـ و قوله تعالى في الأعراف 160: [وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] .