فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 54

عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ] [1] ، ولعله سبحانه وتعالى ستر لهم المأكل في المشرب، بعكس ما تقدم، فالمأكل المشهور هو الحوت، لأنه قال بعد ذكر المشرب: [كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ] الآية، أي كلوا من الحوت، واشربوا / من العين، والله أعلم 8 أ بمراده منه، وإذا بان ذلك بهذا البيان، وظهر المنّ بعد هذا الخفاء إلى العيان، رجعت إلى بيان الشيء الثاني، وقلت: يحتمل أن يكون هذا لشيء اللذيذ لبنًا، إنه ألذ شيء من المشروبات، كما أنّ المنّ ألذه من المأكولات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يروى منه دون غيره، وقصة ليلة المعراج، ومجيئ الملَك بإنائين، في أحدهما لبن، والآخر خمر، وتناوله صلى الله عليه وسلم اللبن لجلالة منقبته، وصفاء عينه، دون المشروب الثاني؛ لحقارة مرتبته، وجفاء عينه، ودعوة جبريل له بإصابة الفطرة مشهورة، بل أشهر من نار على علم، وأظهر من أنْ تُكتب على صفحات الدهر بالقلم، ثم نعود إلى تمام الاحتمال الثاني، الذي هو اللبن، فإنّ قلبه وتصحيفه نيل، وقد تقدم أنه بمصر، والحمد لله على أنّ قلْب الاحتمالين المذكورين، وهما المنّ واللبن آل إلى شيء واحد، وهو النيل، أمَّا الاحتمال الأول فجمع بين مأكول ومشروب، وهما المن والنيل، والاحتمال الثاني فجمع بين مشروبين: أحدهما اللبن، والآخر النيل، ولم يتفق الجمع لهذا القائل، لأنه في ظلال الفرق قابل، ولو أسمع نفسه بأحد هذين الاحتمالين الحاصل في كل منهما بالقلب مجمع بين اللذيذين؛ لانتقل من الفرق إلى مقام الجمع، وكان ممن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، والله أعم بالصواب، وبمن أخطأ مِنَّأ وأصاب.

وقال رحمه الله تعالى:

ما اسمُ قوتٍ يُعْزَى لأوَّلِ حرفٍ ... منه بِئْرٌ بطيبَةِ مشهورَه [2]

(1) البقرة 60، والآية بتمامها: [وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ] .

(2) من البحر الخفيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت