الصفحة 15 من 28

المعنى: يقول لصاحبه: السلامة تعطف عزم صاحبها عن اكتساب المعالي، وتُغري الإنسان بالكسل، كأنه لمَّا عرض على صاحبه المرافقة إلى الحي الذي وصفه، وجده متثاقلا عن مرافقته، غير قابل على التوجه معه إلى / الحي، والمشاركة في المشاق والأخطار، فأخذ يعظه بمثل هذا الكلام 11 أ هذا إن قلت أنّ الكلام لصاحبه، وإن قلت إنه قطع الكلام عنه، وأخذ يخاطب نفسه، فهو الذي تسميه أرباب البلاغة التجريد، وهو أن يخاطب المتكلم غيره، وهو يريد نفسه.

قال الناظم رحمه الله تعالى:

فإن جنحتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقًا ... في الأرضِ أو سلَّمًا في الجوِّ فاعتزلِ

جنحت: ملتَ، والنفق: السرب في الأرض له مخلص إلى مكان، السُّلَّم: الذي يُرتقى عليه، الجو: ما بين السماء والأرض، فاعتزل: اطلب العزلة، وحرك اعتزل لضرورة القافية، وإنما هو فعل أمر مبني على السكون.

المعنى: فإن ملت إلى حب السلامة فادخل في نفق الأرض، أو اصعد في سلم إلى الجو؛ لأن السلامة متعذرة عليك ما دمتَ بين الناس، ولا سبيل إلى النزول في النفق، ولا إلى الصعود في السماء في سلم الجو، إذ لا بد لك من الناس، والسلامة عزيزة، وفي هذا تحريض على الحركة والسعي والاجتهاد في اختيار المعالي؛ لأن السلامة ممتنعة، فالأولى بالإنسان الحركة، والطلب.

قال رحمه الله تعالى:

ودَعْ غمارَ العُلى للمقدمين على ... ركوبِها واقتنِعْ منهن بالبَلَلِ

دع: معناه اترك وذر، الغمرة: الشدة والزحمة في الماء والناس، الجمع غمار، المقدمين: اسم فاعل من أقدم يقدم، فهو مقدم، / والإقدام الشجاعة، 11 ب والدخول في الأخطار من غير تردد، ولا فكر، اقتنع: افتعل، أمر بالقناعة، البلل: النداة اليسيرة، ودع معطوف على فاعتزل.

المعنى: اترك لجج المعاني للذين أقدموا على مشاق ركوبها، وصبروا على أهوالها، وكابدوا شدائدها، واقتنع من اللجج بالبلل [وكنى بالبلل] [1] عن الشيء

(1) زيادة من الغيث المسجم 2/ 67

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت