فهرس الكتاب
كما في عُطَيَّة ومُعَيَّة، لكن لو فعلوا كذلك، وقالوا عُشَيَّة، لالتبس بتصغير عَشْوَةٍ، وهو ما بين أوّل الليل إلى رُبعه، فأبدلوا الياء الوسطى شِينا، إذ يهون عليهم زيادة الحرف من جنس العين، كما في باب التفعيل.
وذكر في الصحاح أنه يُقال: خَبْخِبُوا عنكم من الظهيرة، أي أبرِدوا [1] ، أصله خَبِّبوا بثلاث باءات، أبدلوا من الباء الوسطى خاءً، للفرق بين فَعَّل وفَعْلَل، وخصّ الخاء، لأنّ في الكلمة خاءً، ثم قيل فيه [2] ، وهذه علة جميع ما أشبهها من الكلمات، وكذا أُغَيْلِمَةٍ وأُصَيْبِيَةٍ في غِلْمةٍ وصِبْيَةٍ، وقياسهما غُلَيْمَة وصُبَيَّة، فكأنها تصغير أَغْلِمَة وأَصْبِيَة، لأنّ غُلاما فُعالٌ كغُراب، وصَبيًا فََعِيلٌ كفقير، وهما بُجمعان في القلة على أَفْعِلَة كأغْرِبَة وأَقْقِزَة، فردّوهما في التصغير إلى بابهما، ومن العرب مَن يُجريهما على القياس، فيقول: صُبَيَّة وغُلَيْمَة.
وأمَّا الذي من المعنى فقسمان، لأنّ المراد بالتصغير أنْ يكون الشيء الذي يُصغَّر عندهم مُستصغرا، فشذوذه المعنوي إمَّا لأنه ليس المراد الاستصغار، بل قرب الشيء من الشيء، كقولهم: أُصَيْغِر منك، ولا يستقيم أنْ يكون المراد أنه صغيرٌ، لأنّ لفظ أصغر يدل على الزيادة في الصِّغَر، فهو مستغن عن التصغير بهذا المعنى، لكنه أفاد تقريب ما بينهما من التفاوت، إذ لو قلت: هو أصغر منك، لجاز أنْ يكون التفاوت بينهما قريبا أو بعيدا، وكذا باقيى الأمثلة، وإمَّا لأنّ المراد الاستصغار، لكن لا في المصغّر، بل في شيء آخر، كقولهم: ما أُحَيْسِنَ زيدا، فإنّ معنى التصغير الوصف بالصغر، والفعل لا يصح وصفه بالصغر، وإنما المعنى تصغير مَن نُسِب إليه الفعل، وكذلك قال الخليل: فيما أُمَيْلِحَهُ، إنما يعنون الشيء الذي تصفه بالمِلْحِ، كأنك قلت زيدٌ مُلَيْحٌ، وعُلِم من هذا أنّ الأصل في الفعل أنْ لا يُصغّر.
قوله: وَنَحْوُ جُمَيْلٍ [وكُعَيْتٍ لِطَائِرَيْنِ، وَكُمَيْتٍ لِلْفَرَس، مَوْضُوعٌ عَلَى التَّصْغير] :
يُريد أنّ هذه الأسماء وُضعت في الأصل على التصغير، كأنهم فهموا في الأصل تصغيرها، وذلك [3] : قُلَيْلٌ وجُمَيْلٍ طائر على صورة العصفور، والكُعَيْت العندليب، قال سيبويه: سألت الخليل عن كميتٍ [36 أ] قال: إنما صُغِّر لأنه [لون] [4] بين السواد والحمرة، ليدل على ذلك المعنى [5] ، فإذا جمعوه ردّوه إلى المكبر المقدر، لأنه ليس للمصغر جمع على حياله،
(1) الصحاح (خبب) ، (بذخ) .
(2) قال في الحاشية، أي في الصحاح، ولم أجد هذا القول في الصحاح.
(3) كتب في ب بدلا من وذلك: قال إنما.
(4) ما بين الحاصرتين زيادة من ب.
(5) الكتاب 3/ 477.