فهرس الكتاب
وقال سيبويه [1] وأصحابه [8 أ] لا بأس باجتماع الهمزتين، إذ يُعمل ما [2] يقتضيه الأصول، فتقلب الثانية في جاءء ياء، ويُعلّ إعلال قاض، واعترض على مذهب سيبويه بأنه لو كان كذلك، لكان الياء المتطرفة منقلبة عن الهمزة، وحينئذ قياسها أنْ تصح كما في داري ومستهزيون ورييا، فإنها إذا خففت أثبتت الياء على الأفصح، ولو كان جائٍ كذلك، لكان الأفصح جائِيٌ، ولمّا لم يجز دلّ على أنّ الياء أصلية، ولا يكون ذلك إلاّ على مذهب الخليل، بنقل الياء، التي هي عين إلى موضع اللام.
وأجابوا عن ذلك: بأنَّا لا نُسلّم أنّ قياسها أنْ تصح مطلقا، بل هنا تفصيل، وهو أنَّه إنْ كان القلب واجبا فالإعلال واجب، وإنْ كان القلب جائزا، فالإعلال جائز، ولمّا كان القلب في جاء واجبا، كان الإعلال أيضا واجبا، ولمّا لم يكن القلب في دارئ ومستهزئون واجبا، لم يكن الإعلال أيضا واجبا.
واعترض أصحاب الخليل على شقّي هذا التفصيل، أمَّا على قولهم: إنْ كان القلب واجبا فالإعلال واجب، فبأنه منقوض بأئمة، لأنّ أصله أإمّة بهمزتين، وقلب الهمزة [الثانية] [3] ياء واجب هنا، مع أنّ الإعلال غير واجب، وأمَّا على قولهم: إنْ كان القلب جائزا فالإعلال جائز، فبأنه منقوض بخطِيَّة، فإنّ قلب الهمزة فيه ياء جائز، مع وجوب الإدغام بعد القلب.
أجاب الأصحاب: أمَّا عن الأول، أي اعتراض الأول، فبأنّ النقض غير وارد، لأنّ أصل أئمة أَءْمِمة، فلمّا أرادوا الإدغام، نقلوا حركة الميم إلى الهمزة، ثم قلبت الهمزة ياء، فحركة الياء عارضة، والحركة العارضة غير مُعتد بها، بدليل قولهم: اخْشى الله، فكذلك لأنه لا شيء يقتضي قلب الهمزة في خطيّة ياء، إلاّ إرادة الإدغام، فكيف يجوز القلب من غير الإدغام، فإنّ الإدغام من جملة شروط تخفيفها، فثبت أنّ ما اعترضوا به على مذهب سيبويه مدفوع عنه، فوجب المصير إليه، إذ القلب خلاف الأصل، ونُقِل عن أبي علي [4] أنه كان يقوي قول الخليل، لِما يلزم على مذهب سيبويه من إعلالين: قلب العين همزة، واللام ياء، وإذا [8 ب] كانوا قد
(1) سيبويه (148 - 180 هـ) : عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب سيبويه: إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو. لزم الخليل بن أحمد ففاقه. وصنف كتابه المسمى"كتاب سيبويه"في النحو، لم يصنع قبله ولا بعده مثله. ورحل إلى بغداد، فناظر الكسائي. و"سيبويه"بالفارسية رائحة التفاح. وفي مكان وفاته والسنة التي مات بها خلاف. (الأعلام 5/ 81)
(2) في ب: إذ يعمل حينئذ بما.
(3) ما بين الحاصرتين زيادة من ب.
(4) أبو علي الفارسي (288 - 377 هـ) :الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الاصل: أحد الائمة في علم العربية. من كتبه: الإيضاح، و (التذكرة) في علوم العربية، و (تعاليق سيبويه) ، و (الشعر) ، و (الحجة) في علل القراآت، و (جواهر النحو) و (الاغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني) ، و (المقصور والممدود) و (العوامل) في النحو. وسئل في حلب وشيراز وبغداد والبصرة أسئلة كثيرة فصنف في أسئلة كل بلد كتابا، منها (المسائل الشيرازية) ،و (المسائل العسكريات) نسبة إلى بلدة عسكر مكرم، و (المسائل البصريات) ، و (الحلبيات) ، و (البغداديات) . الأعلام 2/ 179 ـ 180.