الكلام من إطلاق المصدر على آلته ، كما يُطلق الشرّ على السيف بهذا الاعتبار ، فيقولون: تأبط شرًّا ، وإنما السيف آلة للقتل ، الذي هو الشر ، أو سببُه ، غلبَ ذلك على الكلام ، وصار إطلاقه عليه حقيقة عُرفية ، فإنْ لحظت تلك المعاني باعتبار الأصل فهي كلّها موجودة وقت التكلّم والإخبار ، وهو إفادة المُخبِر المُخبَر به ، والطلب وهو الاستدعاء من المطلوب منه ، والإنشاء وهو إيجاد اللفظ ليوجد المعنى المُنشأ ، يحصل كله بمجرد اللفظ بالكلام ، وإنما الخارج ، وعدم الخارج للنسبة ، فالإنشاء لم لما كان ترتيب أمر على أمر على وجه السببية والمسببية لم يكن له خارج ، لعدم تخلّف نسبته ، بخلاف النسبة الخبرية ، أو الطلبية فإنها تقع في زمن ماض أو مستقبل أو حال ، فقولك: اضرب مثلًا معنى فيه أمران: نسبة الضرب للمخاطب ، وإيقاعها على وجه الطلب ، فنسبته لا تقع إنْ أوجدها الفاعل إلاّ في الزمن المستقبل ، كما أنّ قولك: يضرب غدا معناه أنّ النسبة تقع في المستقبل ، فإن قلتَ: فمن قال كابن مالك في الكافية أنه خبر وطلب ، هل هو ليس بشيء كما قال الشيخ ، قلتُ: بلى له وجه ، وذلك أنّ الإنشاء عند من ثلّث القسمة ليس هو من وضع اللغة ، إنما هو أمر أثبته الشرع ، فسموه إنشاء ، فرقا بين ما نُقل عنه ، وبين ما نُقل إليه ، فلفظ بعتك كذا ، وأنت طالق ، وأشهد بكذا إخبارات لغةً ، جعلها الشارع أسبابا لأحكامها المترتبة عليه بشروطها ، فنُقلتْ من الخبر إلى الإنشاء ، بل الحنفية يقولون: إنها إخبارات على حالها / وأنّ الشارع لمَّا رتّب عليها هذه7 الأحكام وجب من حيث استحالة الخلف في خبره أنْ يقدر وقوع مدلولها قبيل النطق بها ، فإذا نطق بها كانت إخبارا عما وقع ، والجدال بين الفريقين محله أصول الفقه ، وهذا القدر كافٍ ، تبين به دخول الإنشاء في الخبر على كلا المذهبين ، فصحّ تقسيم ابن مالك في كافيته ، وصحّ بذلك تعريفه في شرح التسهيل النسبة بقوله: