الصفحة 116 من 343

قال فيها ذلك بالتوحيد، وقاله في قصة شعيب بالجمع؛ لأنّ ما أمر به شعيب قومه من التوحيد، وإيفاء الكيل، والنهي عن الصد، وإقامة الوزن بالقسط أكثر مما أمر به صالح قومه، أو لأنّ شعيبا أرسل إلى أصحاب الأيكة وإلى مدين فجمع باعتبار تعدد المرسل إليهم، وصالح عليه السلام وُحِّد باعتبار الجنس.

فإن قلت: كيف قال صالح لقومه بعدما أخذتهم الرجفة، وماتوا [يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي] الآية [1] ، ومخاطبة الحي للميت لا فائدة فيه؟

قلت: بل فيه فائدة، وهي نصيحة غيره، فإنّ ذلك، يستعمل عرفا فيما ذكر؛ لأنّ مَن نصح غيره فلم يقبل منه حتى قتل، ويراه ناصحه، فإنه يقول له: كم نصحتك، فلم تقبل حتى أصابك هذا حثًّا للسامعين له على قبول النصيحة.

قوله: [بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ] (81) .

عبّر هنا بلفظ السرف والاسم، وفي النمل بلفظ الجهل والفعل؛ تكثيرا للفائدة في التعبير عن المراء بلفظيين متساويين معنى إذ كل سرف جهل، وبالعكس، ورعاية للفواصل في التعبير بالإسم والفعل، إذ الفواصل السابقة هنا أسماء، وهي: العالمين، المرسلين، الناصحين، إلى آخرها، وفي النمل أفعال، وهي: يعلمون، يتقون، يبصرون، فناسب هنا الاسم والفعل ثَمَّ.

قوله: [وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ] (82) .

قاله هنا بالواو، وفي النمل والعنكبوت في الموضعين بالفاء؛ لأن ما هنا تقدمه اسم، هو مسرفون، والاسم لا يناسبه التعقيب، وفي ذينك تقدمه فعل، هو تجهلون، وتلبسوا، [وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ] [2] ، والفعل يناسبه التعقيب، فناسب ذكر الفاء الدالة عليه ثَمَّ، وذكر الواو هنا.

قوله: [أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] (88) .

(1) قوله تعالى في الأعراف: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)

(2) العنكبوت 29

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت