فهرس الكتاب
فإن قلت: كيف قال تعالى هنا حكاية عن السحرة الذين آمنوا، وعن فرعون: [قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ] إلى قوله: [وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ] [1] ، ثم حكى عنهم هذا في طه، والشعراء، بزيادة ونقصان، واختلاف ألفاظ، في الألفاظ المنسوبة إليهم، والقصة واحدة، فكيف اختلفت عباراتهم فيها؟
قلت: حكى الله ذلك عنهم مرارا بألفاظ متساوية معنى؛ جريا على عادة العرب في التغيير في الكلام، والحذف في كل إحالة على ذكره في محل آخر، وإنما خولف في ذلك؛ لئلا يملّ إذا تمحض تكراره، والحكمة في تكرار قصة موسى وغيرها من القصص تأكيد التحدي، وإظهار الإعجاز، ولهذا سمّى الله القرآن مثاني؛ لأنه تُثنى فيه الأخبار والقصص، أو إفادة الغائب عن المرة السابقة، فقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحضر بعضهم، ويغيب بعضهم في الغزوات، فإذا حضر الغائبون أكرمهم الله تعالى بإعادة الوحي تشريفا لهم.
قوله: [قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ] (109) .
إن قلت: كيف نسب القول هنا للملأ، ونسبه في الشعراء لفرعون في قوله تعالى [قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ] [2] ؟
قلت: قاله هو [3] وهم، فحكى قولهم ثَمَّ، وقولهم وحدهم، أو معه هنا.
قوله: [يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ] (110) .
قاله هنا بحذف بسحره، وقاله في الشعراء بإثباته؛ لأن الآية هنا بنيت على الاختصار، ولأن ما قبل الآية هنا وهو [لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ] يدل على السحر، بخلاف الآية فيهما ثَمَّ.
قوله: [وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ] (111) .
(1) الآيات في الأعراف: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)
(2) الشعراء 34
(3) أي فرعون.