الصفحة 123 من 343

قلت: المراد بالأول تشبيههم بالأنعام في أضل الضلال، لا في مقداره، وبالثاني في بيان مقداره، وقيل المراد بالأول التشبيه في المقدار أيضا، لكن المراد به طائفة، وبالثاني أخرى، ووجه كونهم أضل من الأنعام أنها تنقاد لأربابها، وتعرف مَن يُحسن إليها، وتجتنب مَن يضرّها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم.

قوله: [إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] (188) .

إن قلت: كيف خصّ المؤمنين بالذكر، مع أنه نذير وبشير للناس كافة، كما قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] [1] ؟

قلت: خصّهم بالذكر لأنهم المنتفعون بالإنذار والبشارة.

قوله: [جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا] (189) .

إن قلت: كيف قال حكاية عن آدم وحواء ذلك، مع أنّ الأنبياء معصومون عن مطلق الكبائر، فضلا عن الشرك الذي هو أكبر الكبائر؟

قلت: فيه حذف مضاف، أي جعل أولادهما شركاء فيما آتاهما، أي آتى أولادهما، بقرينة قوله [يُشْرِكُونَ] [2] بالجمع، ومعنى إشراك أولادهما فيما آتاهم الله، تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، ونحوها مكان عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم.

قوله: [قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا] (188) .

قدم النفع هنا على الضر، وعكس في يونس؛ لأن أكبر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معًا جاء بتقديم الضر على النفع، ولو تغيّر لفظهما كالطوع والكره في الوعد؛ لأن العابذ يعبد معبوده؛ خوفا من عقابه، أولًا ثم طمعا في ثوابه ثانيا، كما قال تعالى [يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا] [3] وحيث تقدم النفع على الضر، تقدمه لفظ تضمن نفعا، وذلك في ثمانية مواضع: هنا، وفي الرعد، وسبأ، والأنعام، وآخر يونس، وفي الأنبياء، والفرقان، والشعراء

(1) سبأ 28.

(2) في قوله: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. الأعراف 190

(3) السجدة 16

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت