الصفحة 125 من 343

فإن قلت: ما فائدة تكرار يحق الحق هنا، مع قوله قبل [وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] [1] ؟

قلت: فائدته أنه أريد بالأول تثبيت ما وعد الله به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء، بقرينة قوله عقبه [وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] وبالثاني تقوية الدين، ونصرة الشريعة، بقرينة قوله عقبه [وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ] .

قوله: [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ] الآية [2] .

إن قلت: كيف نفى عن المؤمنين قتل الكفار، مع أنهم قتلوهم يوم بدر، ونفى عن النبي صلى الله عليه وسلم رميهم، مع أنه رماهم يوم بدر بالحصباء في وجوههم؟

قلت: نفى الفعل عنهم وعنه، باعتبار الإيجاد، الموجد له حقيقة هو الله تعالى، وإثباته لهم وله باعتبار الكسب والصورة.

قوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ] (20) .

ثنّى في الأمر، وأفرد في النهي؛ تحرزا بالإفراد عن الإخلال بالأدب من النبي صلى الله عليه وسلم، عن نهيه الكفار في قرآنه بين اسمه واسم الله تعالى في ذكرهما بلفظ واحد، كما روي أنّ خطيبا خطب فقال: من أطاع الله ورسوله فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (بئس خطيب القوم أنت، هلاّ قلت ومن عصى الله ورسوله فقد غوى) [3] أو أفرد باعتبار دعوة وحده إلى الله وحده؛ لأنه الأصل، مع أنّ طاعة الله، وطاعة رسوله متلازمتان، أو أن الاسم المفرد يأتي في لغة العرب، ويراد

(1) الأنفال 7

(2) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)

(3) عن عدي بن حاتم (ان رجلا قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال عليه السلام بئس خطيب القوم انت قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى) .

لم ينكر عليه ليحصل الترتيب، بدليل ان معصية الله ورسوله لا ترتيب فيهما، بل كل منهما يستلزم الآخر وإنما انكر عليه لتركه افراد اسم الله تعالى؛ لان افراده اكثر تعظيما، فلا دليل في ذلك على ان الواو تقتضي الترتيب، وفى حديث ابى داود والنسأى ما يدل على انها لا تقتضي، وهو ما اخرجاه عن حذيفة انه عليه السلام قال لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان فلو كانت الواو للترتيب لساوت ثم ولما فرق عليه السلام بينهما. الجوهر النقي لابن التركماني 1/ 86

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت