فهرس الكتاب
أي لا يستأذنونك في التخلّف عن الجهاد.
إن قلت: كيف قال ذلك مع أنّ كثيرا من المؤمنين استأذنوه في ذلك لعذر؛ أخذا من قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ] [1] .
قلت: لا منافاة؛ لأن ذلك نفي بمعن النهي، كقوله [فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ] [2] أو هو منسوخ كما قال ابن عباس بقوله [لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ] [3] أو المراد أنه لا يستأذنونه في ذلك لغير عذر.
قوله: [وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ] (46) .
إن قلت: كيف أمرهم بالقعود عن الجهاد، مع أنه ذمّهم عليه.
قلت: إنما أمرهم بذلك أمر توبيخ، كقوله تعالى [اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ] [4] بقرينة قوله [مَعَ الْقَاعِدِينَ] أي مع النساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود في البيوت، أو الآمر بهم إنما هو الشيطان بالوسوسة، أو بعضهم بعضا.
قوله: [لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ] (47) .
فإن قلت: إذا علم الله أنّ المنافقين لو خرجوا مع المؤمنين للجهاد ما زادوهم إلاّ خبالا، أي فسادا، أو لأوضعوا خلالهم، أي لأسرعوا في السعي بينهم بالنميمة، فكيف أمرهم بالخروج مع المؤمنين؟
قلت: أمرهم بالخروج لإلزامهم الحجة، ولإظهار نِفاقهم.
قوله: [قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ] (53)
أي كافرين، ولو بالنفاق، بقرينة قوله [وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ] [5] .
قوله: [كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ] (54) .
قاله هنا بالباء في المتعاطفين، وقاله ثانيا وثالثا بحذفها من المعطوف؛ لأنّ ما في الأول تقديمه غاية التوكيد بقوله [وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ
(1) النور 62
(2) البقرة 197
(3) النور 62
(4) فصلت 40.
(5) التوبة 54