الصفحة 151 من 343

قوله: [فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ] (104) .

إن قلت: مِن للتبعيض، ومعلوم أنّ الناس كلهم إمَّا شقي أو سعيد، فما معنى التبعيض؟

قلت: التبعيض صحيح؛ لأنّ أهل القيامة ثلاثة أقسام، قسم شقي، وهم أهل النار، وقسم سعيد، وهم أهل ألجنة، وقسم لا شقي ولا سعيد، وهم أهل الأعراف، وإنْ كان مصيرهم إلى الجنة، كما قال البارزي وغيره.

قوله: [خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ] (108) .

إنْ قلت: كيف قال ذلك، مع أنّ السموات والأرض تفنيان، وذلك ينافي الخلود الدائم؟

قلت: هذا خرج مخرج الألفاظ التي تُعبر العرب بها عن إرادة الدوام دون التأقيت، كقولهم: لا أفعل هذا ما اختلف الليل / والنهار، وما 31 ب دامت السموات والأرض، تريد: لا نفعله أبدا، أو أنهم خوطبوا على معتقدهم أنّ السموات والأرض لا تفنيان، أو أنّ المراد سموات الآخرة وأرضها، قال تعالى: [يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ] [1] وتلك دائمة لا تفنى.

فإن قلت: إذا كان المراد بما ذُكر الخلود الدائم، فما معنى الاستثناء في قوله: [إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ] [2] ؟

قلت: هو الاستثناء من الخلود في عذاب أهل النار، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة؛ لأنّ أهل النار لا يخلدون في عذابها وحده، بل يُعذبون بالزمهرير، وأنواع أُخر من العذاب، وبما هو أشد من ذلك، وهو سخط الله عليهم، وأهل الجنة لا يخلدون في نعيمها وحده، بل ينعمون بالرضوان، والنظر إلى وجهه الكريم، وغير ذلك، كما دلّ عليه [عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ] [3] أو إلاّ بمعنى غير، أي خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، غير ما

(1) إبراهيم 48

(2) هود 108

(3) هود 108

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت