فهرس الكتاب
إن قلت: كيف قال ذلك مع أنّ الأنبياء عليهم السلام أعظم الناس زهدا في الدنيا، ورغبة في الآخرة؟
قلت: إنما طلب ذلك ليتوصل إلى إمضاء حكم الله تعالى، وإقامة الحق، وبسط العدل، ونحوه، ولعلمه أنّ أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك.
قوله: [وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ] (59) .
قاله هنا بالواو، وقاله بعده بالفاء؛ لأنه ذكر هنا أول مجيئهم إلى يوسف، فناسبته الواو الدالة على الاستئناف، وذكر بعد عند انصرافهم عنه عطفا على لمَّا دخلوا، فناسبته الفاء الدالة على الترتيب والتعقيب.
قوله: [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ] (70) .
إنْ قلت: كيف جاز ليوسف أنْ يأمر المؤذن بأن يقول ذلك، مع أنّ فيه بهتانا واتّهام من لم يسرق بأنه سرق؟
قلت: إنما قاله تورية عما جرى منهم مجرى السرقة من فعلهم بيوسف ما فعلوا أولا، أو كان ذلك القول من المؤذن بغير أمر يوسف عليه السلام، أو أنْ حكم ذلك حكم الحِيل الشرعية، التي يتوصل بها إلى مصالح دينية، كقوله تعالى لأيوب: [وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ] [1] وقول إبراهيم في حق زوجته [2] : هي أختي؛ لتسلم من يد الكافر.
قوله: [إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ]
أي من رحمته.
[إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ]
/ إن قلت: من المؤمنين مَن ييأس من روح الله لشدة مصيبته، أو 32 ب كثرة ذنوبه، كما في قصة الذي أمر أهله إذا مات أنْ يحرقوه، الحديث [3] . ثم إنّ الله تعالى غفر له!
(1) ص 44
(2) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكْذِبْ غَيْرَ ثَلاثِ كَذِبَاتٍ، ثِنْتَانِ فِي ذَاتِ اللَّهِ: قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وَمَرَّ بِأَرْضٍ بِهَا جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَمَعَهُ سَارَةُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: مَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْكَ؟ قَالَ: هِيَ أُخْتِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِهَا. معجم الطبراني الكبير 19/ 147 / المكتبة الشاملة"
وقال ابراهيم ذلك لتسلم من كيد الكافر، وهي أخته في الإسلام.
(3) عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ:"أَمَرَ رَجُلٌ أَهْلَهُ إِذَا مَاتَ أَنْ يُحْرِقُوهُ، ثُمَّ يَدُقُّوهُ، ثُمَّ يُذْرُوهُ فِي يَوْمٍ رَائِحٍ عَاصِفٍ، فَفَعَلُوا فَجُمِعَ إِلَى رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ لَكَ يَا رَبِّ عَبْدٌ أَعْصَى لَكَ مِنِّي فَرَجَوْتُ أَنْ أَنْجُوَ، فَقَالَ: تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي فَغَفَرَ لَهُ"فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. معجم الطبراني الكبير 12/ 190 / المكتبة الشالة.