الصفحة 177 من 343

قال ذلك هنا بحذف للناس، اكتفاء بذكره قبل بلفظ: [وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ] [1] وقاله بعد بذكره [2] ليتميز عن الجن؛ لجريان ذكرهما معا قبل، وقاله في الكهف [3] بذكره أيضا؛ لعدم ذكره قبل وبعد، وقدم أي قوله [لِلناسِ] على قوله: [هَذَا الْقُرْآنِ] هذا في الآية الثالثة؛ اهتماما بالتمييز المذكور، وبالناس لأنهم الأصل في التكليف، ولهذا اقتصر عليهم في غالب الآيات، كقوله [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] ، وقوله: / [مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ] [4] 37 ب وقوله: [الَّذِي /أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ] [5] وعكس في الكهف لمناسبة قوله قبل: [مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً] الآية [6] .

قوله: [تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ] (45) .

ضمير [فِيهِنَّ] عائد إلى السموات والأرض، والتسبيح وهو التنزيه شامل للتسبيح بلسان المقال، كما في المؤمنين، وبلسان الحال كما في سائر الموجودات، إذ كل موجود يدل على قدرته تعالى، وفي ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، وهو جائز عند الشافعي رضي الله عنه.

إنْ قلت: يمنع من شموله الثاني قوله: [وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ] [7] لأنه مفقوه لنا!

قلت: الخطاب فيه للكفار، وهم لم يفقهوا تسبيح الموجودات؛ لأنهم أثبتوا لله شركاء وزوجا وولدا، بل هم غافلون عن أكثر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد.

قوله: [أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا] الآية [8]

أعادها بعينها آخر السورة، وليس تكرارا؛ لأنّ الأولى من كلامهم في الدنيا، حين أنكروا البعث، والثانية من كلام الله حين جازاهم على كفرهم وإنكارهم

(1) الإسراء 13

(2) في قوله تعالى في الإسراء: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89)

(3) في قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)

(4) البقرة 159

(5) البقرة 85

(6) الآية في الكهف: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)

(7) الإسراء 44

(8) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت