فهرس الكتاب
أتى به ماضيا مع أنّ ما قبله مضارعين وهما [وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً] [1] ليدل على أنّ حشرهم كان قبل السَّير والبروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال والعظائم، كأنه قال: وحشرناهم قبل ذلك.
قوله: [مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا] (49) .
إنْ قلت: كيف قال ذلك، مع أنّ الصغائر تكفر باجتناب الكبائر لقوله: [إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ] [2] ؟
قلت: الآية الأولى في حق الكافرين، بدليل قوله [فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ] [3] والثانية في حق المؤمنين؛ لأنّ اجتناب الكبائر لا يتحقق مع وجود الكفر، أو يقال الأولى في حق المؤمنين أيضا، لكن يجوز أنْ يكتب الصغائر ليشاهدها العبد يوم القيامة، ثم يُكفّر عنه، فيعلم قدر نعمة العفو عليه.
قوله: [إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ] (50) .
إنْ قلت: / هذا يدل على أنّ إبليس من الجن، وهو مناف لقوله 39 ب في البقرة: [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ] [4] فإنه يدل على أنه من الملائكة!
قلت: في ذلك قولان: أحدهما أنه من الجن؛ لظاهر هذه الآية، ولأنّ له ذرية كفرة، ولأنه أكفر الكفرة، بخلاف الملائكة، لا ذرّية لهم، و [لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ] [5] ، لأنهم عقول مجردة، لا شهوة لهم، ولا معصية إلاّ عن شهوة، فالاستثناء في تلك الآية منقطع، وثانيهما وهو المختار [6] أنه من الملائكة قبل أنْ يعصي الله تعالى، فلمَّا عصاه مسخه شيطانا، وروي ذلك عن ابن عباس، كما روي عنه أيضا أنه كان من خُزَّان الجنة، وهم جماعة من الملائكة يُسمون الجن، فكان بمعنى صار، أو المعنى كان في سابق
(1) الكهف 47
(2) النساء 31
(3) الكهف 49
(4) البقرة 34، الإسراء 61، الكهف 50، طه 116، وليس في البقرة وحدها.
(5) التحريم 6
(6) كيف قال: وهو المختار، وقد قال الحسن البصري رحمه الله:"ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس"قال ابن كثير:"وهذا إسناد صحيح عن الحسن" (1/ 74) في تفسير قوله (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) .الرد على شبهات أعداء الإسلام 5/ 365 / المكتبة الشاملة.