الصفحة 191 من 343

لم يقل بغيَّة، لِما قاله ابن الأنباري من أن بَغيَّا غالب في النساء، وقلّ ما يقول العرب رجل بغي، فتركوا التاء فيه؛ إجراء له مجرى حائض وعاقر، أو هو فعيل بمعنى فاعل، فتركوا تاءه كما قال في قوله [إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ] [1] أو لموافقة الفواصل.

قوله: [فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا] الآية [2]

مُرتب على مقدر بينه وبين الشرط تقديره: [فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا] فسألك الكلام، [فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ] الآية، وبهذا سقط ما قيل مِن أنّ قولها [فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا] كلام بعد النذر، إذ هو بهذا التقدير من تمام النذر لا بعده.

قوله: [وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ] (31) .

إن قلت: كيف أمر بذلك، مع أنه كان طفلا، وخطاب التكليف إنما يكون بعد البلوغ والتمييز؟

قلت: ذلك لا يدل على أنه أوصاه بأداء ذلك في الحال، بل أوصاه في الحال بالأداء بعد البلوغ والتمييز، أو أنّ الله صيّره عقب ولادته بالغا مميزا، بدليل قوله: [إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ] [3] فكما أنه تعالى خلق آدم تاما كاملا دفعةً، فكذا القول في عيسى عليهما السلام، وهو أقرب إلى ظاهر قوله: [مَا دُمْتُ حَيًّا] [4] فما أوصاه بذلك إلاّ بعد بلوغه وتمييزه.

فإن قلت: الزكاة إنما تجب على الأغنياء، وعيسى / لم يزل فقيرا 41 أ لابسا كساء مدة مكثه في الأرض، مع علمه تعالى بحاله، فكيف أوصاه بها؟

قلت: المراد بالزكاه هنا تزكية النفس، وتطهيرها من المعاصي، لا زكاة المال.

قوله: [وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ] (36) .

قال ذلك هنا، وقال في الزخرف [إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ] [5] بزيادة هو؛ لأنه تعالى ذكر قصة عيسى عليه السلام هنا مستوفاة، فأغنى عن ذلك عن

(1) الأعراف 56

(2) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)

(3) آل عمران 59

(4) مريم 31

(5) الزخرف 64

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت