الصفحة 192 من 343

التأكيد بخلافه ثَم، ولذلك قال هنا: [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا] [1] وفي الزخرف [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا] [2] إذ الكفر أشد قبحا من الظلم، فكان وصف من ذكر بالكفر في المحل الذي استوفى فيه قصة عيسى، أنسب من المحل الذي أجمل فيه قصته، وقال هنا: [أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ] [3] وعكس في الكهف [4] ؛ لأنّ معناه هنا أنه تعالى ذكر قصص الأنبياء فاسْمَعْها وتدبّرْها، واستعمل النظر فيها ببصيرتك، ومعناه في الكهف أنه تعالى له غيب السموات والأرض، فاجعل بصيرتك في الفكر في مخلوقاته، وتدبرها بحيث تصل إلى معرفته، وأسمع بصفاته ووَحِّدْه، فناسب تقديم السمع هنا، والبصر ثَم.

قوله: [سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي] (47) .

فإن قلت: الاستغفار للكافر حرام، فكيف وعد إبراهيم عليه السلام أباه بالاستغفار له مع أنه كافر؟

قلت: معناه سأسأل الله لك توبة، تنال بها مغفرته، يعني الإسلام، والاستغفار للكافر بهذا الوجه جائز، كأن يقول: اللهم وفّقه للإسلام، أو تُب عليه واهده، أو أنه وعده ذلك قبل، على أنه يسلم ويستغفر له بعد إسلامه، أو أنه وعده ذلك قبل تحريم الاستغفار للكافر.

قوله: [وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ] (52) .

أي الذي يلي يمين موسى حين أقبل مِن مَدْيَن.

قوله: [وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا] (53) .

إن قلت: هارون كان أكبر من موسى، فما معنى هبته له؟

قلت: معناه أنّ الله تعالى أنعم على موسى عليه السلام؛ بإجابته دعوته فيه، حيث قال: [وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي] [5] الآية، فمعنى هبته له، جعلُه عضدا له، وناصرا ومعينا.

(1) مريم 36

(2) الزخرف 65

(3) مريم 38

(4) في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)

(5) طه 29، 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت