الصفحة 30 من 343

فلم يحسن الإتيان بمِن الدالة على ما ذكر، لأنها حينئذ تُشعر بأن ما بعدها من جنس ما قبلها، فيلزم أن يكون قرآنا، وهو محال، ويجوز جعل مِن للابتداء، بتقدير رجوع الضمير في مثله إلى عبدنا، أي محمد، والمعنى: فأتوا بسورة مبتدأة مِن شخص مثل محمد.

قوله: [مِنْ دُونِ اللَّهِ] (23) .

أي من غيره، وهو بهذا المعنى في جميع ما جاء منه في القرآن، وقد يُستعمل بمعنى قَبل، كقولهم: المدينة دون مكة، ولا أقوم من مجلسي دون أنْ تجيء، ولا أفارقك دون أنْ تُعطيني حقي،

قوله: [فَاتَّقُوا النَّارَ] (24) .

إن قلت: كيف عرّف النار هنا ونكّرها في التحريم [1] ؟

قلت: لأنّ الخطاب في هذه مع المنافقين، وهم في أسفل النار المحيطة بهم، فعُرِفت بلام الاستغراق، أو العهد الذهني، وفي تلك مع المؤمنين، والذي يُعذَّب من عُصاتهم بالنار، يكون في جزء من أعلاها، فتناسب تنكيرها لتقليلها، وقيل: لأن تلك الآية نزلت قبل هذه بمكة، فلم تكن النار التي وقودها الناس والحجارة معروفة، فنكّرها، ثم وهذه نزلت بالمدينة فعُرِّفَت، إشارة إلى ما عرفوه أولا، ورُدَّ هذا بأنّ آية التحريم نزلت بالمدينة، بعد الآية هنا.

قوله: [وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ] (25) .

إنْ قلت: كيف شرط في دخول المؤمن الجنة العمل الصالح، مع أنّ مجرد الإيمان كافٍ في دخولها؟

قلت: المراد بالعمل الصالح الإخلاص في الإيمان، والثبات عليه إلى الموت، أو المراد بدخول الجنة دخولها مع الفائزين.

قوله: [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً] (30) .

أي قوما يخلف بعضهم بعضا، أو آدم، بمعنى خليفة عنّي بأمري، أو عن ملائكتي، أو عن الجن.

(1) يعني في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا] التحريم 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت