فهرس الكتاب
قلت: بل علّته [أَنْ تَضِلَّ] ؛ لأن الضلال من إحداهما يكثر وقوعه، فصلح أن يكون عِلة لاستشهادهما، وبتقدير عدم صلوحه فالتعليل بأن تضل في الحقيقة إنما هو للتذكير، ومن شأن العرب إذا كان للعلة علة، قدّموا ذكر علة العلة، وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء؛ لتحصل الدلالتان معا بعبارة واحدة، كقولك أعددت الخشبة أن يميل الجدار فأدعمته بها، فالإدعام علة في إعداد الخشبة، والميل علة الإدعام.
قوله: [وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ] الآية [1] .
فإن قلت: كيف شرط السفر في الارتهان، مع أنه ليس بشرط فيه؟
قلت: لم يذكره لتخصيص الحكم به، بل لكونه مظنة عوز الكاتب والشاهدالموثوق بهما.
قوله: [وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ] (283) .
فإن قلت: ما فائدة ذكر القلب، مع أنّ الجملة موصوفة بالإثم؟
قلت: لمَّا كان كتمان الشهادة هو إضمارها في القلب، وإثمه مكتسب بالقلب، وبما سند إليه الإثم؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، كما يقال: هذا مما أبصرته عيناي، وسمعته أُذُناي، وعلِمه قلبي.
قوله: [وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ] (284) .
إن قلت: كيف قال في الإخفاء [يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ] مع أنّ حديث النفس لا إثم فيه ما لم يفعل، للحديث المشهور فيه، ولأنه لا يمكن الاحتراز عنه؟ قلت: ذلك منسوخ بقوله [لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا] [2] أو المراد بالإخفاء العزم القاطع، والاعتقاد الجازم، أو ذلك إخبار بالمحاسبة، لا بالمعاقبة، فهو تعالى يخبر العباد بما أخفوا وأظهروا؛ ليعلموا إحاطة عِلمه، ثم يغفر أو يعذب؛ فضلا وعدلا.
قوله: [فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ] (284) .
(1) الآية: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)
(2) البقرة 286