فهرس الكتاب
قدّم المغفرة في هذه السورة وغيرها، إلاّ في المائدة، فقدم العذاب؛ لأنها في المائدة [1] ، نزلت في حقّ السارق والسارقة، وعذابهما يقع في الدنيا، فقدم العذاب، وفي غيرها قدمت المغفرة رحمة منه للعباد، وترغيبا لهم في المسارعة إلى موجباتها.
قوله: [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ] (285) .
إنْ قلت: أي فائدة في هذا الإخبار، مع أن الأنبياء في أعلى درجات الإيمان؟
قلت: فائدته أنْ يُبيّن للمؤمنين زيادة شرف الإيمان، حيث مدح به خواصّه ورسلَه، ونظيره في الصافات أنه ذكر في كل نبي أنه من عبادنا المؤمنين.
قوله: [لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ] (285) .
فإن قلت: كيف قال ذلك، مع أنَّ بين لا تُضاف إلاّ إلى اثنين فأكثر؟
قلت: أحد هنا بمعنى الجمع، الذي هو آحاد، كما في قوله [فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ] [2] فكأنه قال: لا نفرق بين آحاد من رسله.
/ قوله: [لَهَا مَا كَسَبَتْ] (286) . ... 9 ب
أي في الخير.
[وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ] (286) .
أي في الشر.
فإن قلت: ما الدليل على أنّ الأول في الخير، والثاني في الشر؟
قلت: اللاّم في الأول، وعلى في الثاني؛ لأنهما يستعملان لذلك عند تقاربهما، كما في هذه الآية، وكما في قوله: [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا] [3] وقولهم: الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، وقول الشاعر [4] :
على أنّنِي راضٍ بأنْ أحْمِلَ الهَوى ... وأخْلُصَ منْهُ لا عليَّ ولا لِيا
(1) في قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)
(2) الحاقة 47
(3) فصلت 46، الجاثية 15
(4) من الطويل، وقد نسبه الإبشيهي في المستطرف، ص 1974/ المدسوعة الشعرية لمجنون ليلى، وورد بلا عزو في مقامات الحريري، وفي مقدمة خزانة الأدب، وفي ديوان الصبابة.