الصفحة 59 من 343

إنْ قلت: كيف قال ذلك ومِن للتبعيض، وقال في هود [كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ] [1] وهو يقتضي إحكام آياته كلها؟

قلت: المراد بالمحكمات هنا الناسخات، أو العقليات، أو ما ظهر معناها، كما أن المراد بالمتشابهات المنسوخات، أو الشرعيات، أو ما كان في معناها غموض ودِقَّة، المراد بقوله أُحكمت آياته أنّ جميع القرآن صحيح ثابت مصون عن الخلل والزلل، ولا تنافي بين متشابهات وقوله [كِتَابًا مُتَشَابِهًا] [2] إذ المراد بمتشابهات ما مرّ، وبمتشابها: يشبه بعضه بعضا في الصحة، وعدم التناقض، وتأييد بعضه لبعض.

قوله: [إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ] (9) .

قاله بلفظ الغيبة، وقال في آخر السورة [إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ] [3] بلفظ الخطاب، لأنّ ما هنا متصل بما قبله، وهو قوله [نَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ] [4] اتصالا لفظيا فقط، وما في آخرها متصل بما قبله، وهو قوله [رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ] اتّصالا لفظيا ومعنويا؛ لتقدم لفظ الوعد.

قوله: [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا] (11) .

قال هنا، وفي موضع الأنفال / [كَذَّبُوا] ، وفي آخر منها 10 أ ... [كَفَرُوا] ، تفنُّنا، جريا على عادة العرب في تفننهم في الكلام.

قوله: [يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ] (13) .

أي ترى الفئة الكافرة المسلمة بمثلي عدد نفسها، أو بالعكس على الخلاف.

إنْ قلت: هذا ينافي قوله في الأنفال [وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ] [5] إذ قضيته أنّ كلاّ منهما ترى الأخرى قليلة!

قلت: التقليل والتكثير في حالين، قلل الله المشركين في نظر المؤمنين، وعكسه أولا، حتى اجترأت كل منهما على قتال الأخرى، ثم كثّر الله المؤمنين في نظر المشركين لمَّا التقتا، حتى جبُنوا وفشلوا، وكثّر الله المشركين في

(1) هود 1

(2) الزمر 23

(3) آل عمران 194

(4) آل عمران 9

(5) الأنفال 44

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت