الصفحة 88 من 343

قوله: [إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ] (29) .

أي بإثم قتلي، وإثمك الذي ارتكبته من فِبَلي، وهو بوعدك بقتلي.

فإن قلت: كيف قال هابيل لقابيل ذلك، مع أنّ إرادة الشخص السوء، والوقوع في المعصية لغيره حرام؟

قلت: في ذلك إضمار لا، تقديره إني لا أريد أن تبوأ كما في قوله: [تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ] [1] أي لا تفتأ، أو إضمار مضاف تقديره إني أُريد أن انتفاء أن تبوء، كما في قوله تعالى [وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ] [2] أي حبه.

قوله: [فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ] (31) .

إن قلت: هذا يقتضي أنّ قابيل كان تائبا، والندم توبة، لخبر (النَّدَمُ تَوْبَةٌ) [3] فلا يستحق النار.

قلت: لم يكن ندمه على قتل أخيه، بل على حمله على عنقه، أو على عدم اهتدائه للدفن الذي / تعلمه من الغراب، أو على فقده أخاه، إو 17 أ على قتل أخيه، لكن مجرد الندم ليس بتوبة، إذ التوبة إنما تتحقق بالإقلاع، وعزم ألاّ يعود، وتدارك ما يمكن تداركه.

قوله: [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ] الآية [4] .

إن قلت: كيف يكون الواحد كقتل الكل، مع أنّ الجناية إذا تعددت كانت أقبح؟

قلت: تشبيه أحد الشيئين بالآخر لا يقتضي تساويهما من كل وجه، ولأنّ المقصود من ذلك المبالغة في تعظيم أمر القتل العمد العدوان، أو لأن المعنى مَنْ قتل نفسا بغير حق، كان جميع الناس من خصومه في الآخرة مطلقا، وفي الدنيا إن لم يكن له ولي، أو المعنى أنّ مَنْ قتل نبيا، أو إماما عادلا، كان كمن قتل الناس جميعا، من حيث إبطال المنفعة عن الكل.

(1) يوسف 85

(2) البقرة 93

(3) عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ: أَنَّ أَبَاهُ سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» . قَالَ نَعَمْ. السنن الكبرى للبيهقي 10/ 154 / المكتبة الشاملة.

(4) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت