الصفحة 91 من 343

وقضيته أنّ إقامة الكتاب توجب سعة الرزق والرخاء.

فإن قلت: ليس الأمر كذلك؛ لأنا نجد كثيرا من المؤمنين ضيّقي المعيشة في الدنيا؟

قلت: القضية خاصة بأهل الكتاب؛ لأنهم شكوا ضيق الرزق، حتى قالوا يد الله مغلولة، فأخبرهم الله أن ذلك التضييق عقوبة لهم بعصيانهم وكفرهم، والله تعالى يجعل ضيق الرزق كسعته نعمة في بعض عباده، ونقمة على آخرين، فلا يلزم من توسيع الرزق الإكرام، ولا من تضييقه الإهانة.

قوله: [وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] (67) .

إن قلت: ما فائدته، مع أنه معلوم أنه إذا لم يبلغ ما أنزل عليه، لم يكن قد بلغ الرسالة؟

قلت: فائدته الحث على تبليغ معايب اليهود، وحتى لو فرض كتمان حرف واحد كان في الإثم ككتمان الجميع، أو الأمر بتعجيل التبليغ؛ لأنه كان عازما على تبليغ جميع ما أُنزل إليه، إلاّ أنه أخّر البعض؛ خوفا على نفسه، مع بقاء العزم، ويؤيده قوله: [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ] [1] أي من القتل، لا من جميع أنواع الأذى، كشج الوجه، وكسر الرباعية، أو لعل الآية نزلت بعد أُحُد، لأن المائدة من أواخر ما نزل من القرآن.

قوله: [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ] (72) .

كرر الآية، وختم هذه بقوله [إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ] [2] والثانية بقوله [إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ] [3] لأن اليعقوبية من النصارى زعموا أنّ الله تجلّى في زمن على شخص عيسى، فظهرت منه المعجزات، فصار إلها، والملكانية منهم زعموا أنّ الله اسم يجمع أُمَّا وابنا وروح القدس، فصار كل منهم إلها واحدا، أخذا من قوله تعالى: [أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ] [4] فكرر الآية كذلك، وأخبر الله تعالى أنّهم كلهم كفار.

(1) المائدة 67

(2) المائدة 72

(3) المائدة 73

(4) المائدة 116

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت