بالجهر، ولا بالسر، سواء قيّد بقيد آخر ككونه كثيرا، أو بكرة وأصيلا، أو لا، فالامتثال حاصل بالجهر، كما هو حاصل بالسِّر، لأنّ كلاًّ منهما من أفراد الذكر المطلق، والأمر بالمطلق أمر بفرد ما من أفراده الممكنة، والجهر من أفراده الممكنة عقلًا، الجائزة شرعًا.
أمَّأ الأول فظاهر، وأمَّا الثاني، فثابت بالدليل من الكتاب والأخبار والآثار.
فمنها مايدل على أنّ الجهر مأمور به في وقت مُعيّن، ومنها ما يدل عل أنه مشروع مأمور به مطلقا، أمَا الأول، فمنها قوله تعالى: [فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا] [1] وجه الدلالة أنّ العرب كانوا يتفاخرون في المواسم، فيذكرون فِعال آبائهم وأيامهم ومجالسهم، ولا شكّ أنّ ذلك / كان بالجهر، إذ التفاخر لا يحصل إلاّ بالإسماع، وهو ظاهر، قد أُمِروا 4 أ أنْ يذكروا الله كذكرهم آباءهم أو أشد، وكان أمرًا بالجهر التزاما، وقد امتثلوا الأمر على هذا الوجه، فقد أخرج البيهقي [2] عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِى قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبيره فَيَسْمَعُهُم أَهْلُ السُّوقِ فَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيْرِهِم حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا.
قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله، في في نتائج الأفكار بتخريج أحاديث الأذكار: هذا موقوف صحيح، علّقه البخاري [3] بالجزم، قال: وكان عمر، فذكره، وقال بعده: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعًا، وهذا أخرجه ابن المنذر في الكتاب الكبير، والفاكهي في كتاب مكة، كلاهما من طريق ابن جريج عن نافع، وسنده صحيح، ونقل ابن المنذر عن الربيع عن الشافعي نحو ذلك. وأخرج البيهقي [4] عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ، رضي الله عنهما يَوْمَ
(1) البقرة 200
(2) السنن الكبرى ـ البيهقي 3/ 312 / ش.
(3) صحيح ابخاري 2/ 384 / ش
(4) السنن الكبرى ـ البيهقي 3/ 297/ ش